سالموا جميع الناس يوحنا ذهبى الفم

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

المسالمة على المستوى الاجتماعي والنفسي

عبر كل الأجيال، حيث لم تفارق الحروب أو النزاعات الجنس البشري، سواء على مستوى الأسرة أو القبيلة أو المجتمعات المحلية أو الدولية، يشعر الإنسان مهما كان عنفه وقسوة قلبه أنه يشتهي جوًا مملوءً بالسلام.

وكما يقول السيد المسيح: "إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضًا يفعلون ذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضلٍ تصنعون؟ أليس العشارون أيضًا يفعلون ذلك؟ فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (مت 5: 46-48).

هكذا يميّز السيد المسيح بين فريقين، فريق يطلب السلام والحب على المستوى النفسي والاجتماعي البحت، وفريق يطلب السلام على مستوى مركزه الجديد كابن لله، معتزًا ببنوته للآب السماوي الكامل؟

بخصوص هذا التمييز أذكر موقفين يبدوان فريدين في حياتي:

الموقف الأول: حينما أراد أنور السادات الخلاص من كل القيادات السياسية والدينية، إذ كنا في سجن المرج، في سجن خاص داخلي (سجن التجربة) يحوط به السجن العام الذي يضم ما يدعونهم البعض بالمجرمين، فجأة سمعنا مع بدء الليل أصوات غناء ورقص وطرب دام الليل كله. ولما سألنا عن السبب قيل لنا هذه عادة السجناء في ليلة إنهاء أحدهم فترة حبسه، يحتفلون به ويهنئونه على خروجه طوال الليل! هذه مشاعر إنسانية جميلة يعيشها السجناء!

الموقف الثاني: في إحدى المدن الأمريكية حث بعض أصدقاء السوء فتاة أن تهيئ لهم الجو لقتل والدتها والاستيلاء على ممتلكاتها. ولكن الله أنقذ الأم، ووُضعت الفتاة في السجن. مع ما لحظَتْه في السجن في الاعتناء الشديد بالمسجونات بوسائل كثيرة، لكن هذه الفتاة دون غيرها وُضعت في زنزانة منفردة. ولما سألت السجَّانة عن السبب، أجابتني: لا نستطيع أن نأتمن أحد السجينات أن ترافقها في النهار أو بالليل، لأننا لاحظنا عليهن حالة من الضيق الشديد من نحوها، كيف تتآمر فتاة على قتل أمها، فخشينا أن تقوم إحداهن بقتلها أو بأذيتها بصورة أو أخرى. هكذا حتى السجينات لم يقبلن مطلقًا أن تقوم فتاة بالتآمر على قتل والدتها.

هذان مثالان للرغبة البشرية في المسالمة حتى بين من يحسبهم العالم مجرمين أو قساة. أما مسيحنا فيدعونا للمسالمة بناء على مركزنا كأبناء لله. "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعوْن" (مت 5: 9).

المسالمة دعوة للكمال السماوي

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبيّ الفم المفهوم الإنجيلي للمسالمة والتي عبَّر عنها الرسول: "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو 12: 18).

أولاً: المسالمة وسلم الكمال

كثيرًا ما يربط القديس يوحنا الذهبيّ الفم بين خبرة الحياة السماوية والحب الأخوي. فإن كان المؤمن مدعوًا للانطلاق إلى الحياة الملائكية، فإن هذه الحياة لا تقف عند التسابيح السماوية، وإنما تهب قلبًا متسعًا، فيصير المؤمن أيقونة المسيح "محب البشر". وكأن الانطلاق من مجدٍ إلى مجدٍ يتبعه صعود مستمر على سلم الحب الأخوي. يقول القديس يوحنا الذهبيّ الفم: [بالرحمة (الحب) يتشبّه الإنسان بالله"]، و[بالرحمة تصير له دالة لدى الله.]، و[بالرحمة تصير له دالة لدى الله.] والحب هو جواز الذي به يعبُر المؤمن بين القوات السماوية حتى يبلغ إلى العرش! يصير الملكة الجالسة عن يمين الملك.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا:

الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه، (وإلا حًسب غريبًا تمامًا عن برّ الله).

الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلمٍ، لا يثأر لنفسه بظلمٍ أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي).

الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ.

الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا.

الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. كالأب الذي يشفق على ابنه المريض مهما صدر منه من إساءات.

الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم، فالحب يجري في عروقه.

الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم".

الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. يقدم مما هو في جعبته: الخير والصلاح.

الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. يود أن يحمل البشرية ليقدمها لله القدوس. نمونا في المسالمة في حقيقته اكتساب لسمة سماوية فائقة.

ثانيًا: المسالمة والملكوت الداخلي

رأينا أن المؤمن الحقيقي ينشغل بالنمو الدائم في الطريق السماوي، أو ممارسة الحب الأخوي حتى متى بلغ أن يقف أمام عرش الله، لا يجد له عدو، بل يشفع بكل كيانه عن كل البشر.

الآن يشعر المؤمن أن وقته أثمن من أن يضيع فيما لا يخص بنيان ملكوت الله الذي في داخله. لا ينشغل بالتصرفات المعادية لمن هو حوله ضده، بل بالفردوس السماوي الذي في قلبه، فينقّيه من كل أحجار الخطية ويرويه بمياه الروح القدس الساكن فيه، والذي تمتع به خلال سرَ الميرون (المسحة المقدسة).

v "إن كان ممكنًا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو 12: 18)... اتركهم لله، ولتهتم أنت بأخطائك.

ما يشغل قلب المؤمن ليس تصرفات حتى المقاومين له، وإنما بكونه أيقونة الله "صانع الخيرات"، يشعر كأن غاية حياته كله هي صنع الخيرات للجميع الأصدقاء والأعداء. هذا ما يعطيه في أعماقه شبعًا أنه يفيض بالنفع على الكثيرين.

v جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا، حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.

إن كنا ندعو الله "أبانا الذي في السماوات"، فإنه يليق بالابن أن يتشبه بأبيه، لا لتفيض نعمته عليه فحسب، وإنما ليسلك كما يليق بابن لأبٍ هكذا سماوي!

v هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.

الاهتمام بالأصدقاء والصلاة عنهم لا ترفعنا حتى عن العشّارين الذين يحبون أصدقاءهم، أما الاهتمام بالأعداء والصلاة عنهم يجعلنا نتشبه بالله نفسه.

v لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر.

إذ دخلنا في عداوة مع الله، لم ينتظر منا أن نذهب إليه وتطلب منه المغفرة. لكنه بادر بالحب، طأطأ السماوات ونزل إلينا. "إذ ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه. لنرد هذه المبادرة بالمبادرة في مصالحتنا مع المقاومين لنا.

v يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة.

إعداد القمص تادرس يعقوب ملطي

تم التطوير بواسطة شركة ايجى مى دوت كوم
تصميم مواقع مصر - ايجى مى دوت كوم