لقد كان الوثنيون يُبغضونه بُغضاً شديداً كلما رآوا نجاح عمله فى الكرازة بالمسيح وكثرة إتباع الناس له، وكانوا يخافون خوفاً شديداً من خطر هذا الغريب الذى زعزع ديانتهم كما خشيت خطره أيضاً الحكومة الرومانية إذ كان هناك إعتقاد إنه إن ضاعت الوثنية ضاعت معها حكومتهم لذلك عقدوا النية على التخلص منه ظناً منهم أنه بقتله يَبيدون المسيحية معه وهكذا كانوا يتحينون الفرصة للفتك به.
وفى حوالي سنة 68م فى السنة الرابعة عشر لحكم نيرون الظالم فى يوم 29 برمودة حيث كان المسيحيون يحتفلون بعيد الفصح (القيامة) فى كنيسة بوكاليا وقد تصادف أن نفس ذلك اليوم كان هو يوم الإحتفال الوثني العظيم بعيد الإله سيرابيس ذي الشهرة الكبيرة الذى كان يشترك فى الإحتفال به المصريون واليونانيون على السواء، وكانت الإحتفالات تقام فى معبده وتزدان بها باقي المعابد .... وفى ذلك اليوم استشاط الوثنيون غضباً وتجمعوا لقتل مارمرقس لذلك هيج الوثنيون الشعب وأهاجوا الحكام أيضاً ضده فتجمهرت جماعة منهم وهجموا على كنيسة بوكاليا واقتحموها حيث وجدوا القديس مكملاً الذبيحة الإلهية فشتتوا المسيحيين وقبضوا على القديس مرقس، وربطوه بحبل ضخم وجروه فى الشوارع والطرقات وهم يَصيحون ((جروا التنين إلى دار البقر)) وظلوا يسحبونه بقساوة عظيمة وجسمه يرتطم بالأحجار على الأرض حتى انصبغت الأرض بدمه وتمزق لحمه وتناثر هنا وهناك وخلال ذلك كان القديس يسبح الله ويشكره على أنه جعله أهلاً لأن يتآلم من أجل اسمه؛ ولما تعبوا من جره وتعذيبه ألقوه تلك الليلة مُهشماً فى سجن مظلم إلى أن يتشاوروا بأية وسيلة يميتونه.
قضي مارمرقس تلك الليلة فى السجن مُهشم الجسد ولكن نفسه كانت عالقة بالرب فكان يُصلي فى السجن ولا يُفكر إلاَّ فى اللقاء بإلهه ولم يتركه الله وحده؛ ففي نصف الليل ظهر له ملاك ولمسه وقواه قائلاً: "يا مرقس . أيها الخادم الصالح: قد أتت ساعتك وستنال مكافئتك حالاً . تشجع فقد كتب اسمك فى سفر الحياة" فتعزى القديس ورفع يديه نحو السماء وقال: "أشكرك يا مخلصي يسوع الذى لم تتخلى عني أبداً ووضعتني فى عداد الذين نالوا رحمتك" وما أن توارى (إختفى) عنه الملاك حتى ظهر له المخلص وأعطاه السلام وقال له : "يا مرقس يا تلميذي يا إنجيلي ليكن السلام لك"
فصرخ التلميذ قائلاً: "يا سيدي يسوع" ، وعندئذ إختفت الرؤيا ففرح وتعزى واستعد قلبه لملاقاه الرب.
وفى صباح الغد 30 برمودة رجع الوثنيون مرة أخرى وأخذوا مارمرقس من السجن وربطوا عنقه بحبل غليظ وظلوا يَعيدون الكره كاليوم السايق فى سحبه وجره على أحجار وهو فى كل ذلك يصلي من أجلهم ويطلب لهم المغفرة وأخيراً استودع روحه الطاهرة فى يد الله، ونال إكليل الرسولية وإكليل البشارة وإكليل البتولية وإكليلل الشهادة .......... نال الإكليل الذي لا يضمحل.
على أن موته لم يُهديء ثائرة الوثنيين وحقدهم ففكروا فى حرقه أيضاً إمعاناً فىالتنكيل به فجمعوا حطباً كثيراً وأعدوا ناراً لحرقه ولكن فى اللحظة التى أوشكوا فيها أن يُلقوا جسده ليحترق هبت عاصفة شديدة مصحوبة بمطر غزير فتفرق الشعب وإنطفأت النيران، وأتى جماعة من المؤمنين الباسلين فأخذوا جسد أبيهم فى الإيمان وحملوه إلى كنيسة بوكاليا ووضعوه فى تابوت حيث صلى عليه خليفته القديس إنيانوس مع الإكليروس وكل الشعب وتبارك الجميع منه، ودفنوه فى قبر نحتوه له فى تلك الكنيسة فى الجانب الشرقي منها ولقبت الكنيسة باسم القديس مرقس وفى نفس مكان دفنه، إستشهد البطريرك الاسكندري القديس البابا بطرس خاتم الشهداء فى نفس المكان وبإستشهاده (البابا بطرس) إنتهى عصر الإستشهاد.
بركة صلاته فلتكن معنا جميعاً أمين


