منهج الكلية الاكليريكية مادة علم النفس المسيحى جزء اول (السنة الأولى) الباب الاول الفصل الرابع

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 


لماذا الإنسان ؟
إن الإنسان يعرف كل الكائنات الأخرى بما فيها ذاته ولا تعرفه أى من الكائنات الأخرى
ليس الإنسان هو الكيان المادى الذى يحوى الجسد والجسم فقط ... إن الإنسان أعمق من هذا بكثير
وإن كان جسم الإنسان قد أجهد العلم وأتعب العلماء فى اللهث وراءه , والسعى وراء نحو كشف مكنونات دواخله , لكنه رغم هذا ليس هذا كله هو الإنسان كله الإنسان أعمق من كل هذا بكثير

يتساوى الإنسان مع الحيوان فى المادة ولكنه يختلف عن جميعها فى أشياء كثيرة , يحس بها الإنسان فى داخله

 

إن الإنسان هو من أضعف الكائنات على الأرض بجسه هذا حيث أن أصغر الميكروبات يمكن أن ينتصر عليه , ولكن الإنسان هو الذى يخضع الجبال لسلطته , ويقوى على كل قوى فى هذا الكون القوى العظيم

لقد أستطاع الإنسان أن يكشف أغوار الكون بما فيه من مخلوقات غير عاقلة , وأخرى كائنات جامدة ... اما هذا الكون كله بكل ما فيه لا يتسنى له أن يعرف الإنسان

استطاع الإنسان أن يعرف كل كائن على الكون وبعضا من المكونات فيه . ولكن من ذا الذى استطاع أن يعرف الإنسان وأن يفهمه , فالإنسان هو الوحيد الذى يعرف كل الكائنات الأخرى ويعرف أيضا ذاته , أما كل الكائنات لا تعرفه

الله كذلك , يعرف كل الكائنات التى فى الكون بما فيها الإنسان وبما فيها ذاته أيضا , لكن الكون كله بكل ما فيه بما فيه الإنسان , لا يمكن أن يصل إلى معرفة ذات الله

لقد استطاع الإنسان بالمعطيات البسيطة التى اكتنفه أن يعرف أن الله موجود وأنه واحد , الكون يتسنى له أن يقدم للإنسان الأدلة الدامغة على أن الله موجود وفى مقدوره أيضا أن يظهر للإنسان وحدانية الله . لذا لسنا نحن محتاجين إلى رسالة من السماء أو وحى ينطق لنا بهاتين الحقيقتين . فنحن فى استطاعتنا معرفتها إذا أحسن الإنسان الإرهاف إلى بواطن نفسه , وأحسن الرنو بالصبر إلى مكنونات وأسرار الكون العظيم التى تنطق بوجود خالق

هذا العوالم لفظ أنت معناه : كل يقول إذا استنطقته الله

إن الإنسان يعرف الحيوان معرفة كبرى وكاملة , ويعلم ما لا يعلمه النبات عن ذاته , ويدرك الطير والحشرة ويفهم ما تفهمه أى من هذه الكائنات عن نفسها

ولكن هذه الكائنات كلها لا تعرف الإنسان الذى يعرفها

فإن كانت بجمعها وجميعها هذا لا يمكن لها معرفة ذاتها أو ذواتها , فهل يمكن لها أن تعرف من هو الإنسان وما هو ؟

أكتشف الإنسان أمورا كثيرة واخترع أمورا كثيرة , وترقى من حال إلى حال فإنسان العصر الحجرى يختلف عن إنسان العصر البخارى , ويختلف عن كليهما إنسان عصر البترول , وعن الجميع يرتقى إنسان عصر الكهرباء , أما إنسان عصر الذرة والإلكترونات فهو يفوق جميعهم ولسنا ندرى ماذا سيأتى بعد

أما الحيوان فلا ترقى ينتظر أن يأتى منه

إن الإنسان يبدأ من حيث انتهى سالفه , اما الحيوان فيبدأ من بدأ سابقه

إن أى تطور لعالم الحيوان نابع من الإنسان , فالإنسان هو الذى يطوعه إذ يدربه أو يروضه أو يهذبه أو يدخل عليه عالم الميكنة أو ..... إلخ

لقد استطاع الإنسان أن يستعيض عن الحيوان بوسائل كثيرة فاستعاض عن الأغنام والدواب والإبل بالمركبات والعربات . واستعاض عنه بأمور أخرى كثيرة . أما الإنسان فهو ضرورة لا يستغنى عنها الحيوان ولا النبات ولولا الإنسان لأنقرض كل هؤلاء

إن طبيبا واحدا له أن يعالج كل النباتات وكل الحيوانات وكل الطيور , أما جسم الإنسان فلكل جزء منه طبيب وتطبيب , ولولا الإنسان لما عولج الحيوان , فإنه لا يستطيع أن يشكو أو أن يشخص حالته , والإنسان هو الذى يقوم بهذا الدور الغائب

فالإنسان يعرف ذاته أو بعضا منها ... ويعرف كل الكائنات الأخرى أو بعضا منها .... ولكن ليس لهذه الكائنات أن تعرفه

فالله يعرف ذاته حق المعرفة ... ويعرف الكائنات الأخرى حق المعرفة ... ولكن ليس لأى من هذه الكائنات بما فيها الإنسان أن تعرف الله على طبيعته فلاهوته لا يستطاع النظر إليه والتفكير فيه كقول القديس كيرلس الكبير . قال رب المجد يسوع مخاطبا الآب السماوى

وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته (يو 17 : 3 )

" أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتنى من العالم . كانوا لك أعطيتم لى وقد حفظوا كلامك " ( يو 17 : 6 )

" أيها الأب البار أن العالم لم يعرفك . أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت
أرسلتنى وعرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به أتكون أنا فيهم " ( يو 17 : 25 , 26 )

وقال عن الآب السماوى فى موضع آخر

فنادى يسوع وهو يعلم فى الهيكل قائلا تعرفوننى وتعرفون من أين أنا ومن نفسى لم آت بل الذى أرسلنى هو حق الذى أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه لأنى منه وهو أرسلنى( يو 7 : 28 , 29 )

هب أنك رأيت حيوانا يمكن له أن يعرف الإنسان ويدرك طبيعته ويمكن له أن يشرحها ويقدمها للناس أو الكائنات الأخرى ويمكن أن يقدم الأدلة والتعليل على هذا الكائن الأعظم " الإنسان " فماذا أنت قائل عنه ؟

لابد وأنك تقول عن هذا الحيوان أنه صار إنسانا لأنه استطاع أن يفهم الإنسان وأن يعيه ويدركه

وهكذا الأمر يا عزيزى بالنسبة للإنسان مع الله , لو أن الإنسان استطاع أن يدرك الله فى لاهوته , وفى طبيعته اللاهوتية , يعرف الله على حقيقة طبيعته لأضحى الإنسان إلها

إذ لو عرف الحيوان طبيعة الإنسان لما ظل حيوانا بل يصبح إنسانا , هكذا أيضا لو تجرأ الإنسان فى المعرفة حتى أنه يحلق أو يحدق فى شمس اللاهوت

جاء فى سفر أيوب المقدس قوله

فاسأل البهائم فتعلمك وطيور السماء فتخبرك . أو كلم الأرض فتعلمك ويحدثك سمك البحر . من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا الذى بيده نفس كل حى وروح كل البشر ( اى 12 : 7 – 10 )

وقال لسان العطر ما بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى شعب كورنثوس : " لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء أين الحكيم , أين الكاتب . أين مباحث هذا الدهر . ألم يجهل الله حكمة هذا العالم . لأنه إذ كان العالم فى حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة . لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس ( 1 كو 1 : 19 – 25 )

لقد أراد الإنسان أن يتوصل إلى معرفة الله بالعقل فقط . فضل بعيدا وأضل عقله , وشرد فى غياهب المعرفة الخاطئة , فكما قلنا ليس فى مقدور العقل سوى أن يصل بالإنسان إلى معرفة أمرين فى الله هما

وجود الله وبعض من صفاته

وحدانية الله

حتى أن الناس أحيانا يقولون " الله عرفوه بالعقل " . الله لا يعرف بعقل الإنسان المحدود , إذ لا يمكن لهذا المحدود أن يتسع ليحوى غير المحدود الأبدى الذى لا أول له ولا آخر

قال رب المجد يسوع " أجاب يسوع إن كنت أمجد نفسى فليس مجدى شيئا . أبى هو الذى يمجدنى الذى تقولون أنتم أنه إلهكم ولستم تعرفونه . وأما أنا فأعرفه . وأن قلت أنى لست أعرفه أكون مثلكم كاذبا . لكنى أعرفه واحفظ قوله ( يو 8 : 55 )

عندما ظهرت الوثنية كانت صورا لبعض من الصفات الموجودة فى الخالق وتحولت هذه الصفات إلى ألوهية عبدها البشر وصارت المنحوتات معبودات , ذلك لأن الإنسان سلم قيادته ليد العقل فضل ضلالا شاسعا , فمنهم من رأى فى الله صورة معطى الخيرات فعبد نهر النيل , ومنهم من رأى فى الله الصرامة فعبد النار , ومنهم من تخيل فى الله الوجود الكامل فى كل مكان فعبدوا الشمس , ومنهم من رأى فى العزلة عن كل الكائنات المادية فعبدوا رموزا وضعوها فوق شواهق قمم الجبال , ومن ثم تطورت العبادة الوثنية وأصبحت لها فلسفاتها ومدارسها

أما معرفة الله الكاملة والتامة فلن تكون فى هذا العالم حيث لا تحتمل طبيعتنا الضعيفة القاصرة أن تكتشف الله بكل جوهره , ولكنها ستمنح لنا فى الدهر الآتى

" أننا الآن ننظر فى مرآه فى لغز , اما حينذاك فسنراه كما هو , الآن نعرف يعض المعرفة أما حينذاك فسأعرف كما عرفت "

قال القديس يوحنا الحبيب

" أكتب إليكم أيها الأولاد لأنكم قد عرفتم الآب .. كتبت إليكم أيها الأباء لأنكم قد عرفتم الذى من البدء " ( 1 يو 2 : 13 , 14 )

أرأيت إذن يا عزيزى لماذا كان الإنسان على صورة الله ومثاله ؟ إن الإنسان يعرف كل ما فى الكون بما فيه ذاته وأى منها لا يعرف الإنسان , هكذا الله يعرف كل كائن حى حتى الإنسان وبما فيه ذاتها وأى منها لا يمكن التوصل إلى معرفة كنهته أو طبيعته

سلطته على الكون والكائنات فى الكون

عندما خلق الله الإنسان قال الكتاب المقدس

" وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا , فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التى تدب على الأرض " ( تك 1 : 26 )

للإنسان سلطة عظيمة على هذا الكون العظيم والكائنات فى الكون , فصبى صغير يمكن له أن يقود جملا ضخما , وجسم ضئيل يشق طريقا فى جبل عظيم

لقد صدق فى هذا القديس غريغوريوس الثيئولوغوس عندما قال : " خلقتنى إنسان محب للبشر .. وضعت يدك على وكتبت فى صورة سلطانك ووضعت فى موهبة النطق ... أظهرت لى طبيعة الحيوان وعرفتنى شوكة الموت "

ولقد نجدد وعد الله للإنسان بسلطته على الكائنات التى فى الأرض مرة أخرى مع نوح حيث قال الكتاب المقدس : " وبارك الله نوحا وبنيه وقال اثمروا وأكثروا فى واملوا الأرض ولتكن خشيتكم ورهبتكم على مل حيوانات الأرض وكل طيور السماء مع كل ما يدب على الأرض وكل اسماك البحر قد دفعت إلى كل دابة حية لكم طعاما فأثمروا أنتم وأكثروا وتوالدوا فى الأرض وتكاثروا فيها " ( تك 9 : 1 – 3 , 7 )

فى الكائنات الأخرى قوة تتضاءل أمامها قوة الإنسان لكن فى الإنسان عقلا تنهزم أمامه قوة الكائنات الأخرى . فغالبا ما ينتصر العقل على القوة فالقطار العظيم يقوده سائق صغير ضعيف , ضئيل أمام إحدى مكوناته , والمصنع الكبير يدين بالفضل إلى العقل الإنسان الذى لا يملأ جسمه ركنا من أركانه

لقد الإنسان بعقله أن يسيطر على الطبيعة كلها وأن ينتصر على المعوقات التى وقفت أمام طموحه

ارأيت إذن يا عزيزي كيف أن العقل الذى أتاه الإنسان فى دياجير الوثنية فى رحلة عن الله , هو الذى به تثبت قوة الإنسان وتحكمه فى الطبيعة وسلطته على كل كائن فى هذا الكون وكل مخلوق فى هذه الخليقة لأن الإنسان هو ملك هذه الخليقة , وهو كاهنها

فالإنسان بعقله هو سيد هذه الطبيعة غير العاقلة , ولكنه يخطئ إذا أسلم القيادة الروحية واللاهوتية لهذا العقل

فقد استطاع الإنسان أن يمتطى الهواء ويتنقل عبر الرياح والأثير ويلقى بثلقه فوق نعومته , واستطاع أن يمخر الماء ويعبر به بين شط وآخر وبلدة وأخرى , واستطاع أن يكثف المياه المالحة ويجعل منها مياه عذبة صالحة للرى والإرتواء , استطاع أن يختزن الشمس ويحفظ طاقتها الحرارية ليستخدمها فى الحركة والحرارة , واستطاع أن يخرج جذوة نار من ماء , إذا يفصل الإكسجين المختلط الأيدروجين فى ذراته , واستطاع أن يحول مجرى الأنهار ويمدها طولا ويوسعها عرضا

زاحم الإنسان الطيور فى الجو , الأسماك فى العمق وتسلط على كل شئ كوعد الرب القائل له ( تك 1 : 26 , 9 : 1 – 2 , 7 )

لقد استثمر الإنسان النار المحرقة المفنية القاضية المخسرة , وجعل منها الطاقة التى بها تسير العربات والطائرات والقطارات والصواريخ والسفن والآلات , واستثمر البخار فلم يعد يلقيه فى الجو ويبعث به فى الهواء ويبعث به نحو الطبيعة , بل جعل منه قوة دفع هائلة , واستثمر حتى الفضلات لرفع مستوى الأداء فى عوالم مثل عالم النبات

قاوم الجاذبية الأرضية وارتفع فوقها وتغلب عليها , وبدلا من أن يظل القمر دائما يعلو هامته , ارتقاه وغيرهم , قاوم حدة الشمس وقسوة البرودة , واستطاع الإنسان أن ينتصر حتى على هذه الطبيعة , فعاش فى جو الصيف وهو فى الشتاء وجو الشتاء وهو فى الصيف

سخر البرق لحمل وسائله وأفكاره وعواطفه وخلجات قلبه , وبث برامجه المرئية والصوتية وسخر سم الحية الزعاف ليحوله من داء إلى دواء وعلاج

حول صفراء الأرض إلى سمراء , وأخذ من الأرض قدر ما استطاع , وضاعف من إنتاج الحيوان وسلالته .... إلخ

 

 

وحسنا قال الشاعر

فى الإنسان طاقات اقتدار آه لو عرف كيف تدار

أه لو عرف الإنسان ذاته لأتى فى الأرض بكبرى معجزاته

لقد حاول العلماء أن يصنعوا بديلا عن عقل الإنسان , فرأوا أنهم يحتاجون إلى حجرات ناطحة سحاب لكى تقوم بجزء مما يقوم العقل البشرى العظيم

 

الإنسان تاج الخليقة وملكها

 

عندما تجسد السيد المسيح له المجد ، ( يو1 :13 ) أخذ جسد إنسان ( 1تى3 : 16 ) ، صائراً فى الهيئة كالناس ( فى2 : 8 ) قدم بهذه الطبيعة الإنسانية التى أتحد بها . أعظم مثل للإنسان و كم ينبغى أن يكون

و كقول القديس أثناسيوس الرسولى فى كتابة تجسد الكلمة ، و فى معرض حديثه عن الله الذي خلق الإنسان على صورته ( تك9 : 6 ) و مثاله قال : فإذا تلطخت الصورة بالأقذار و الأدران فيلزم إذن مجئ صاحب الصورة الأصلى ليصلح الصورة التى فسدت و يرجعها إلى أصلها الطبيعى

لذلك فإن كنا نرى فى المسيح يسوع ، الله الظاهر فى الجسد ( رو9 : 1-5 ) فإننا نرى الإنسان أيضاً فى المسيح فهو كامل فى لاهوته يقدم لنا الله بغير نقصان ، و كامل أيضاً فى ناسوته يقدم لنا الإنسان فى أكمل كمال . إذن ففى المسيح و على هذه الصورة الجديدة على مرأى البشرية و مسامعها ، و التى مرت عشرات القرون قبلها لم ترها ، يبنى الإنسان الجديد لذا فلا غرابة أن داعى السيد " بكر كل خليقة " (رؤ1 : 5 ) أو " بداية خليقة الله " (رؤ3 : 14 ) فهو بكر الخليقة و رأسها و بدايتها و نهايتها ( رؤ21 : 6 ، 22 : 12 ، 1 : 8 ) من خلال هذا المعنى

و هنا نتساءل كيف يكون الإنسان تاج الخليقة المنظور و ملكها .. و ذلك من خلال

الأسلوب الذي خلق الله به الإنسان ؟

أ‌- عندما خلق الله بقية الخلائق ، لم يتكلف فى هذه الخلقة أكثر من كلمة نطقها ، و بهذا المنطوق تكون كل ما هو كائن .. فخلق الله النور بكلمة ( تك 1 : 3 ) و كذلك الشمس و القمر ( تك1 : 14 ) و خلق الله المياة بكلمة ( تك1 : 6 ) و فصلها عن بعضها البعض بكلمة ( تك 1 : 9 ) و خلق منها كل الزحافات ذات النفس الحية بكلمة ( تك1 : 20 ) و خلق الطير و الحيوان و الوحوش بمجرد كلمة نطقها ( تك1 : 2 ، 24 ) أما عندما خلق الله الإنسان استعان فى خلقته بتراب الأرض و ثراها (تك2 : 7 ، 3 : 19 و نفخ فى أنفه نسمة حياة فصار نفسا حية ( تك2 : 7 )

ب‌- قيل بعد كل خلقه قام بها الله لكل مخلوق " و رأى الله ذلك أنه حسن " ( تك 1 ، 10 ، 12 ، 21 ، 35 ) و لكن عندما خلق الإنسان " رأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً " ( تك1 : 31 ) فبخلقة الإنسان أكتمل جمال كل خليقة خلقها الله

ج- لم يخلق الله بعد خلقته للإنسان شيئاً آخر ، و ترك العالم يأنس بقوانينه الطبيعية التى وضعها الله فيه ، فكان ناموس الخليقة فيه التدرج الصاعد ، حتى أكتمل سموه بالإنسان تاج الخليقة ، الذي خلق بعدها ليكون سيداً لها ، و الذي جاء تالياً لها ليكون رأسا لجميعها ، لذلك عند خلقه الله للجلد و للشمس ، و للقمر و وحوش الأرض و الدواب استخدم الله تعبير ( عمل ) و لم يستخدم تعبير ( خلق الله ) ( تك1 : 7 ، 16 ، 25 ) ذلك لأن الله قام بعمل هذه أشياء أخرى سبق خلقها ( تك1 : 3 )

فالخلةة هى إيجاد من العدم ، أما العمل فهو إيجاد من خلقة . أما عندما خلق الله الإنسان استخدم التعبيرين معاً " نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا .. فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ( تك1 : 26 ، 27 ) ذلك أن الإنسان كجسد مأخوذ من الأرض التى خلقها قبلاً ( تك1 : 1 ) و لكنه ككيان روحى عاقل مأخوذ من الله ( تك2 : 7) فهو المعمول و المخلوق معاً

د- من أول تعامل بين الله و بين مخلوقه الإنسان ، تخاطب معه بأسلوب الجمع ، و لم يحدثه بأسلوب المفرد كواحد من مجموعة خلائق ، أو بأسلوب المثنى كما يقضى التحدث مع شخصين رجل و امرأة و لكننا نجد الله يقول لهذا الكائن " فخلق الله الإنسان ( بأسلوب المفرد ) على صورته الله خلقه بأسلوب المفرد أيضاً ) ذكراً و أنثى خلقهم ( هنا نجد نقطة التحول ليس من الفردانية للمثنى بل للجمع ) و باركهم الله و قال لهم أثمروا و أكثروا و أملأوا الأرض و أخضعوها و تسلطوا على سمك البحر و على طير السماء و على كل حيوان يدب على الأرض . و قال الله أنى أعطيتكم كل بقل يبرز برزاً على الأرض لكم يكون طعاماً " ( تك1 : 27 – 30 ) قيل هذا عن الإنسان قبل جبله ( تك2 : 7 ) فالله يتعامل مع الإنسان كبشرية أو يتخاطب مع آدم فى صورة الإنسانية الكاملة . لذا

ذ- فالمسيحية محقه فى الاعتقاد بأن خطيئة آدم لم تضيره هو وحده ذلك لأنه تمثيل للبشرية كلها ، و إنما تعدته إلى كل نسله ( رو5 )

ه- عندما خلق الله حواء . لم يحتاج إلى أن يكرر ما صنعه مع آدم ( تك2 : 7 ) و لكنه جبلها من آدم و ذكر السفر خمسة أفعال لهذا الحدث العجيب " أوقع ، أخذ ، ملأ ، بنى ، أحضر " و ذلك فى قوله : فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه و ملأ مكانها لحماً و بنى الرب الإله الضلع التى أخذها من آدم امرأة و أحضرها إلى آدم

( تك2 : 21 ، 22 )

و- لقد أدى الله دوره كخالق فى بدء الخليقة ، أو قل قبل أن توجد خليقة ، و يذكر الكتاب المقدس هذه المقولة الجبارة " فاستراح الله من جميع أعماله الذي عمل الله خالقاً " ( تك2 : 3 ) و رسم الله أن تتكرر هذه الخلائق ، من خلال الناموس الطبيعى الذي وضعه فى كل منها ، لذلك لا يأخذ الإنسان جسده من أبيه و أمه و يأخذ نفسه أو روحه من مصدر آخر ، إنما يأخذ الكيان الإنسانى كله من مصدر واحد الا و هو الأب و الأم حسب القانون الخلقى الطبيعى الذي حدده " أثمروا و أكثروا و أملأوا الأرض " ( تك1 : 28 ) ذكر نفس الكلمات على مسامع نوح و بنيه الثلاثة ( تك9 : 1 ) فبحسب هذا الأمر الصادر يتسنى للإنسان التوالد من الإنسان بالكيان الإنسانى الكامل دون أدنى نقصان ، و من غير أى زيادة . و نفس هذه الكلمات تكررت فى مسامع المخلوقات الأخرى غير العاقلة " و قال الله اتنبت الأرض عشباً و بقلاً يبرز برزاً و شجراً ذا ثمر يعمل ثمر كجنسه بذره فيه على الأرض " ( تك 1 : 11 – 13 ) " فخلق الله التنانين و كل ذوات الأنفس الحية و كل طائر .. و باركها الله قائلاً أثمرى و أكثرى و أملائ المياة فى البحار و ليكثر الطير على الأرض "

( تك 1 : 21 ، 22 )

ز- يتضح من كلمات الوحى الإلهى مدى سلطان الإنسان على كل ما فى الكون أيضاً ذلك لأنه تاج الخليقة و ملكها . قال الله مخاطباً الإنسان " أثمروا و أكثروا و أملأوا الأرض "

( تك2 : 28 )

فالإنسان هدف و الأرض وسيلة و خادم و قال : " و أخضعوها و تسلطوا على سمك البحر و على طير السماء و على كل حيوان يدب على الأرض " ( تك2 : 28 ) و كرر نفس الكلمات و على مسامع نوح و بنيه الثلاثة " لتكن رهبتكم و خشيتكم على كل .. "

( تك 9 : 2 ) هذا الكلام يعنى أنه لو تمردت عليكم الأرض أخضعوها و لو أبت أرغموها و لو تكبرت أذلوها فالإنسان وحده يحول صفراء الأرض إلى سودائها ، و يغير فى مجرى مياهها ، و يكثف فى ملوحته ، و يضاعف من عطائها بما يصل إليه من علم و بحث و دراسة فشواهق جبالها قد وضعت لا لننقيها بل لنرتقيها .. و قوله تسلطوا على .. و على .. .. و على .. هذا يدل على سلطة الإنسان عما يساويه ، و عما يفوقه و عما يدانية فى الكون كله . فله سلطة على سمك يطأه ، و طير يحلق فوقه ، و حيوان يشاركه حياة الأرض و لعله إلى هذا السبب قدام الله الخليقة كلها للإنسان كى يطلق على كل منها ما شاء من أسماء

ح- تحدث الله مع الأنسان فى خلقته فقال " أنى أعطيتكم كل بقل .. و كل شجر لكم يكون طعاماً .. و لكل حيوان الأرض أعطيت كل عشب أخضر طعاماً " ( تك1 : 29 ، 30 ) ثم قال الله لنوح الأب الثانى للجنس البشرى كله بعد آدم " كل دابة حيه تكون لكم طعاماً كالعشب الأخضر دفعت لكم الجميع غير أن لحماً بحياته دمه لا تأكلوه " ( تك9 : 3 ، 4 ) لماذا لم يتحدث الله فى باقى احتياجات الإنسان ؟ أن الإنسان يحتاج إلى الهواء أكثر من احتياجه إلى كليهما . لذا لم يملكالله الهواء لأحد ، و لم يجعل الله الإنسان يدفع عرق الجبين مقابلاً نظيره

ط- أن هناك أمورا جديدة ظهرت فى قاموس الإنسان ، و لم نسمع عنها من قبل مثل : الشوك و الحسك ( تك 3 : 18 ) و الموت ( تك 3 : 19 مع تك 2 : 17 ، 3 : 4 ) فلم يخلق الله شوكاً و حسكاً يوم أن خلق جميع النباتات فى اليوم الثالث (تك1 : 12 – 14 ) و لكنه خلق بعدئذ إذ عاشت الأرض بدونه مدة طويلة من الزمان كنتيجة من نتائج دخول الخطية إلى الكيان البشرى أما الموت فقد دخل إلى العالم بحسد إبليس و إذ يقضى على الإنسان فى حياته المعاصرة و يوقف خلوده لذا رأى الله أن يعطيه هذا الخلود بعد تصفية كاملة لجسد هذا الموت ، بالموت ، و من ثم بالقيامة أيضاً التى فيها تتغير هذه الأجساد و تتجمد . فالموت شئ يصيب الجسد فقط و لا يقترب من الروح ، لذا فالقيامة هى قيامة للأجساد و ليست قيامة للأرواح التى لم تمت قبل ذلك فأيهما يكلف الرب أكثر ؟ : خلقه من تراب الأرض الذي كان عدما

ظ- حيث لم يكن الإنسان شيئاً ، أم إعادة الإنسان إلى الوجود بعد أن صار شيئاً ، و إن كان قد تناثر أو ذاب فى أشياء أخرى . لذا فأمال الكنيسة فى القيامة أنها تجديد للخليقة و بداية لخليقة جديدة و بأسلوب آخر كان الله يود أن تكون الأرض عليه يوم خلق الله الإنسان و لم يساعده الإنسان فى تحقيق ما يربو إليه ، و لم يحقق الإنسان لله أمانته التى كان الله يريد تحقيقها فلا غرابة أن كان كتابنا المقدس يسخر من الموت و يدعوه نوماً ، و كنيستنا تلقيه رقاداً و تسميه انتقالا فالقيامة هى جعلت من الموت نوماً و رقاداً و اضطجاعاً و هجعه

أن هناك من يموتون أجنة فى بطون أمهاتهم ، و هم بهذا خرجوا من الحياة قبل أن يدخلوها ، و هناك من يحيون أعمار طوال ، و أكبر الناس عمراً " متوشالح " كان يحمل إسم الموت فى أسمه ، فكان أسمه يعنى " محب الموت " و هؤلاء يختمون حياتهم عكس ما ابتداؤها و ينتهى بهم المآل إلى الفراش الذي رقدوا عليه رضعاً بلا أدنى حراك

ى- لأول مرة فى خلقة الإنسان نسمع تعبيراً جديداً " و جبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض .. و وضع هناك – فى الفردوس – آدم الذي جبله " ( تك 2 : 7 ، 8 ) فقد سمعنا كلمة خلق ، عمل ، فصل ، قال ، رأى ، جعل ، بارك الله .. الخ أما كلمة جبل تعنى خلقة الإنسان من عنصر خالد ألا و هو الله ، و عناصر قابلة للانحلال أى الأرض ( تك2 : 7 ) و حينئذ أضحى فى الإنسان شيئان .. فبه العقل ، و فيه المادة .. فيه الروح و فيه الجسد فيه الطبيعة الملائكية بروحه و الحيوانية بجسده فيه الخير و فيه الشر فيه الحب و فيه الكراهية .. الخ . فيه كل الطاقات رغم أن كل البشر الموجودين فى حياتنا الحاضرة قد تناسلوا من شيت البار الأبن الثالث لآدم

لم يأمر الله الطبيعة أن تأتيه بآدم مثلما أمرها أن تأتيه ببقية المخلوقات ، فلم يأتمن على خلقته شيئاً ، إنما خلقه بيده مستعيناً بمعطيات الطبيعة التى سبق أن أودعها إياها و لم يخلقه من العدم كخلقته للطيور ، و أن كان الذي جبل منه الإنسان كان أولاً عدما و لم يخلق بعده و أن كان قد خلق كل الخليقة قبله " و أكملت السموات و الأرض و كل جندها (تك 2 : 1) لذا نرى فى الإنسان هذه الازدواجية فى كل حياته

أنت لا تأمن إلى إنسان إلا فى مرحاتى الطفولة و الكهولة ، و ما بينهما تخافه و تخاف منه بسبب أنه فى المرحلة الأولى لا يكون العالم قد طبع بصماته عليه ، و فى الأخيره يكون قد تخلص من أكثرها ، و ما الكهولة إلا طفولة متأخرة فى حياة الإنسان

قال أحد الأدباء : ينزل الإنسان إلى الأرض و قد بلغ طوله 50سم أو أقل يغادر العالم و قد صار طوله 150سم أو يزيد .. كل هذا الصراع الذي يحياه فى العالم من أجل متر واحد يضاف إلى قامة جسده

إن حياة الإنسان فى الدهرين الحاضر و الآتى تمر فى مراحل ثلاثة : مرحلة عاشها روح فى جسد و هى مرحلة الحياة الحاضرة ، و مرحلة ثانية عاشها جسد بلا روح و روح بلا جسد و هى مرحلة الحياة الأخرى ، أما المرحلة الثالثة فيحياها روح فى جسد نورانى ممجد . و هذه هى الحياة الأخرى

أن الزمن مع الإنسان يحاكيه ليريه الموت و الخلود ، فالنهار يبدأ طفلاً رقيقاً نسميه عليل ، ثم يشتد عود عند الظهيرة فيصير شاباً يافعاً ، أم فى وقت الضحى فيضحى النهار رجلاً ناضراً مكتملاً ، و لكنه لا يلبث أن يشيخ فى . الغروب و يصيبه الكهول و العجز ، ثم يغيب فى المساء ليعود من جديد بصورة ناضرة غير تلك التى اختتم بها

أن الأبله و المتخلف قد توقف وجودهما فى الحياة و أن كان لم تتوقف حياتهما فهما يحيان فى الحياة كمستهلك و ليس كمنتج فلا تستطيع أن تضيف عليه الكثير .. مثل هذا دخل و خرج إلى زمن الحياة و أبوابه مغلقة

أن الإنسان من يوم أن يولد و حتى اليوم الذي فيه يموت ، يقضى ما يزيد عن ثلث عمره نائماً ، إلا أن روجه العاقلة الخالدة لا تنام و أمورا أخرى فى جسمه مثل عقله و قلبه و باقى من أجهزته . فالنوم فى الإنسان للجسد أو لبعض منه و لكن لا تستفيد منه الروح المخلوقة على صورة الله الذي وصف بأنه لا ينعس و لا يغفل و لا ينام

هذا الكائن العظيم الذي يقوى عما هو أعظم منه ، و ينتصر عما يتفوقه ، إلا أن أقل الكائنات حجماً ينتصر عليه و يهزمه و يذله ، و يضحى عاجزا أمام جرثومة أو ميكروب لا تراه عين مجرة . فلا تبصر بدون مكبر

الارتقاء و التطور و البحث عن الكمال

الله هو أمس و اليوم و إلى الأبد ( عب13 : 8 ) سواء على مستوى الزمن الماضى (أمس) أو الحاضر ( اليوم ) أو المستقبل القريب و البعيد ( إلى الأبد ) ، إذا ليس الله يحد الزمن

فالله ليس له ماضى ، و لا يترقب مستقبلاً ، إنما الله – الحياة – يحيا فى حاضر متصل ليس له صيف و شتاء و خريف إنما الله – السرمدى – يحيا فى ربيع دائم ليس لله شروق و غروب إنما الله – النور يحيا فى شروق مستمر كما أنه ليس له طفولة و كهوله ذلك لأنه ليس للأيام أن تؤثر فيه ، و لا للشيخوخة أن تهاجمه ، و لا للأزمنه أن تعترية

إذن ليس لله تطور و ارتقاء ، فالله الذي عاصر الإنسان الأول هو هو بذاته إله هذا القرن ، و إله كل الدهور ، و إلى الأبد . و كما أنه ليست هناك معرفة تضاف إليه ، كذلك ليست هناك أيام تزاد على سنيه ، و ليست هناك قامة تعلو فوق قامته . الله لا يخضع للتطور .. بمعنى أنه لا زيادة تلحق به ، و لا نقصاً يؤثر فيه

حتى الدين أيضاً لا يخضع للتطور ، فالمسيحية التى استلمها بطرس و بولس هى التى يعيشها المسيحيون الآن ، رب تطور يكون فى الأداء و الأسلوب و ليس فى المعتقد و الفكر ، فالسفينة التى أقلت بولس ليست كالطائرات و وسائل النقل الموجودة فى عالمنا هذا ، و إدخال الاكتشافات الحديثة صوتية و مرئية و مسموعة إلى عالم الدين إنما هو نموذج عن استفادة الدين من التطور الذي حققه الإنسان ، بل و غالباً ما يكون مرجع كل هذه الاكتشافات و الاختراعات إلى حفنة من رجال الدين و الرهبنة

أما الإنسان فدائم التطور ، دائم الارتقاء

فإنسان القرن العشرين عصر الذرة و الإلكترونيات ، يتفوق عن إنسان عصر الكهرباء ، و هذا يسمو عن إنسان عصر البترول ، و ذلك يسمو عن إنسان العصر الحجرى .. أن ما عد ارتقاء و تطور فى عصر حسب بديهيا فيما بعده ، و مع هذا فنحن ندين بالفضل الكبير لكل من وضع لبنة فى جدار تطور الإنسان

و أصبح الآن يخشى على الإنسان من ديمومة التطور و النمو و الارتقاء ، إذ لأنه لا يجد شيئاً لم يتوصل إليه ، ، يحاول الآن أن يدمر نفسه بنفسه تحت قناع التحضر و الارتقاء و التطور و النمو و التمدين .. بحيث أصبح لا يخشى على الإنسان إلا من الإنسان ، ذلك لآن " كل طبع للوحوش و الطيور و الزحافات و البحريات يذلل و قد تذلل للطبع البشرى " ( يع 3 : 7 )

علم معرفتك

هذا النمو و ذلك التطور استفاد منه الإنسان فى معرفة الله ، فبينما كان يعبد ألهه متعددة متباينة و مختلفة ، اقتصر الأمر على عبادة أسرة مكونه من ثلاثة ألهه فيهم الأم و الأب و الابن ، (إيزيس و حورس و أوزوريس ) ، ثم ابتكر عبادة ألهين لكل منهما تخصصه و اختصاصاته فهذا النور و الخير و الحياة و الحب ، و ذلك للظلمة و الشر و الموت و الكراهية . أطلق على أحدهما ارموزد ، و الآخر اهريمان .. ثم هداه فكره إلى أن الله لا يمكن إلا و أن يكون واحدا فنادى بالشمس المعبود الأعظم و الأوحد و لقب كل الشعب باسمه (رع) و يرجع الفضل فى هذا للملك (إخناتون) فى وسط صعيد مصر (تل العمارنة) . حتى جاء الوحى الذي كان أصدق من عبر عن الله ، ليهدى الإنسان بعد ما أضله فكره و أتاهه عقله

إذن فليس التطور لدى الإنسان مقتصراً على ما فى الكون من أسرار استطاع اكتشاف بعضها و استثمارها ، إنما التطور أيضاً لديه حتى فيما يخص معرفة الله إذ غابت هذه الصورة البهية وسط دياجير الوثنية

لأنه ليس لها قيامة

و ليس لها عالم آخر أو حياة آخره

إذ ليس فيها روحاً

أن عين الحيوان و نظره قد يكون أكبر من الإنسان ، و قد يضرب المثل بصبر الجمل و وفاء الكلب و إيثار الحمل و جلد الأتان و طاعة كل هذه بلا فحص و لا معارض .. و رغم كل هذه المعطيات فهى لا تتفوق على الإنسان

أن الغزال قد يحس بوقوع الزلازل قبل أن تهتز له فرائس الإنسان و لكن رؤية الغزال للإنسان مخيفة له لذا تراه يعدو هارباً من أمام الإنسان مطارده

و لولا الإنسان لانقرض الحيوان و انتهى من عالم الوجود ، فهو الذي يحافظ بقاء نوعه .. و الكائنات التى انقرضت فى غيبة الإنسان أو انشغاله و لم يستفد منها إبان وجودها ، استثمر أجسامها بعد موتها و استخرج من هذه الجثث البالية البترول الذي يعتبر شيئاً أساسياً فى حياته

لقد ربط الإنسان العالم كله بشبكة واحدة تنقل عبر أثيرها بين جوانبه الشاسعة الواسعة

لقد استطاع الإنسان أن ينظم مملكته و مملكة الحيوان : فالأسد و إن دعى ملك الغابة فإن قوته و بطشه و شراهته و شراسته هى التى فرضت عليه و على الغابة كلها ملوكيته .. أما الإنسان و إن دعى ملك الكائنات و ملك الخليقة فإن عقله هو الذي فرض على الخليقة ذلك

و أن كان الإنسان قد صنع العقل الإلكترونى ( COMPUTER ) الذي فى مقدوره أن

ينتج أضعاف ما ينتجه العقل البشرى ، لكنه مدين فى الفضل لوجوده لعق الإنسان لأنه أوجده و اخترعه ، و لأنه لا يستطيع أن يعمل بدونه ، فى حين أن للعقل البشرى أن يعمل من غير الالتجاء لمعونة العقول الإلكترونية

أن التطور فى عالم الحيوان ، هو نمو فى جسمه ، فهو ازدياد يضاف إلى ثقله و وزنه ، أو كبر يضاف إلى طوله و عرضه

بين الموت و القيامة

يفقد الإنسان هذا النمو بالموت فالطفل الذي مات من عشرات السنين لم يصر رجلاً بعد ، و الرجل الذي قضى فى قبره ردحاً من الزمن لم يتكهل و لم يشخ بعد . فلا نمو للإنسان بعد الموت

كان الموت عقوبة للإنسان الذي أخطأ ، فأصبح يعانى من افتراق الروح عن الجسد

(تك3 : 19 ) إذ خلق الإنسان لكى يحيا إلى الأبد كالملائكة التى لا يصيبها الموت ( تك3 : 22 ، 2 : 6 ) .. قال القديس باسيليوس الكبير : " و الموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيى الذي لأبنك وحيد الجنس "

لذا صار خلاص الإنسان يكتمل بيوم القيامة العامة ، التى يعود الإنسان إلى حياة الأبد . فالقيامة العامة ، أو قيامة الأموات ، أو قيامة الأجساد هى تكملة رحلة الخلاص التى بدأها السيد له المجد بصليبه ، لكى تقف البشرية لتدان أمام الله و قد تكاملت صورتها جسدا و روحاً

لذا ففى مزيد من شغف التطور قال الرسول بولس " لعلى أبلغ إلى قيامة الأموات ، ليس أنى نلت أو صرت كاملاً ، و لكنى لعلى أدرك الذي لأجله أدركنى أيضاً المسيح يسوع " ( فى 3 : 11 ، 12 ) ففى مقولته هذه أرانا أن الإنسان دائم التطور فى معرفة الله و أيضاً حتى فى بلوغ قيامة الأموات

هنا يختلف الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى التى ليس لها رجاء سوى فى هذه الحياة الحاضرة ، فالإنسان يترجى حياة الأبد ، ليستكمل بالأبدية و فى الأبدية رحلته التى بدأها عندما ارتطمت قدماه بالأرض

أظهرت لى طبيعة الحيوان

و إذا كان الإنسان يسمى ( الناظر إلى أعلى ) ( Anthropos ) فهو بهذا يقدم صورة مختلفة عما نراه فى باقى الكائنات الأخرى ، فلا كائنات آخر ينظر إلى أعلى غيره و لو ارتفعت قامته و امتدت هامته

 

 

كيف يكون الإنسان تاج الخليقة ؟

 

 

أولاً : الإنسان يشبه الله فى الروحانية

ذلك أن الله روح كما يقول رب المجد يسوع المسيح " و الرب هو الروح " كما يقول الوحى على فم الرسول بولس فالإنسان خلق على صورة الله و مثاله لأن الله خلق فيه روحاً من عنده و نفخ فيه الله الله نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حية " و يقول النبى ذكريا فى نبوته " يقول الرب باسط السماء و مؤسس الأرض و جابل روح الإنسان فيه " و يقول النبى أشعياء " الرب خالق السموات و ناشرها باسط الأرض مع ما ينبت منها " الذي فى يده نفس كل حى و أرواح البشر أجمعين " " لكن فى البشر روحاً " يقول روح الله هو الذي صنعنى و نسمة القدير أحيتنى " " لذلك سمى الله بأبى الأرواح كما يقول الرسول بولس أفلا نكون بالحرى خاضعين لأبى الأرواح فنحيا " " كما يدعى إله أرواح جميع البشر "

ثانيا : الإنسان يشبه الله فى العقل والحكمة

فالله كلى الحكمة وأما الإنسان فله بعض الحكمة لأن فيه روحا عاقلة ترشده فى الصواب والحق والخير يقول سفر أيوب " لكن فى البشر روحا ونسمة القدير تعقلهم " . ويقول الحكيم سليمان " تعقل الإنسان يبطئ غضبه "

وذلك يمكن أن يوصف الإنسان بالحكيم . وجاء فى سفر أيوب " الذى رفعنا على بهائم الأرض علما وعلى طيور السماء حكمة "

ثالثاً : الإنسان يشبه الله فى الحرية

فكما كان الله حرا يتصرف كما يشاء ... ولا يجد من يمنعه أو يقول له ماذا تفعل ؟ .. كذلك خلق الله الإنسان حرا مثله وله أن يريد ويفعل ما يريد

رابعا : الإنسان يشبه الله فى الخلود وعدم الفناء

كل شئ فان , جمادا كان أو نباتا أو حيوانا , ولكن الإنسان وحده نمن بين الكائنات الأرضية الذى يخلد ولا يموت , وهو خالد بروحه لا بجسده لأن الجسد أيضا فان وقابل للموت الفساد والتعفن والتحلل وهو موعود أما بالحياة الأبدية وأما بالعذاب الأبدى وقد أقام الله له شجرة الحياة التى يأكل منها فيحيا إلى الأبد

خامسا : الإنسان يشبه الله فى القداسة ومحبة الحق والبر

وهذا ينطبق أسا على روح الإنسان لا على جسده لأن الجسد من حيث هو مخلوق من تراب فينجذب طبيعيا إلى الترابيات والحسيات والماديات وأما الروح فلأنها من الله وقد نفخها فى آدم بعد أن جبله تراب من الأرض فهى بطبيعتها روحانية ومقدسة وطاهرة وسامية وهذا واضح من الصورة التى يقدمها لنا سفر التكوين عن آدم فى طهارته وقداسته الأولى فقد كان هو وامرأته عريانين ( وهما لا يخجلان ) ومعناه أن فكر الإنسان الأول كان طاهرا , ولكنه بالخطيئة تدنس بعد ذلك وعلما أنهما عريانان فأخذا من أوراق التين وصنعا لهما مآزر وقال سفر الجامعة يصف آدم قبل السقوط " الله صنع الإنسان مستقيما " وقال عنه بولس الرسول أنه " خلق الإنسان على مثاله الله فى البر وقدساه الحق " ولم يفقد الإنسان قداسته لا بالخطيئة ولكن مخلصنا ردنا إلى الصورة الأولى بعمل الفداء وخلقة الإنسان الجديد التى تتم فى المعمودية المقدسة وتصان بممارسة التوبة اليومية ووسائط الخلاص , وعلى رأسها سر التقوى وهو سر التناول

سادسا : الإنسان يشبه الله فى استعداده للعمل بلا توقف وفى أنه بروحه لا ينام

فإذا كان الجسد لأنه مركب من تراب الأرض يحتاج إلى الراحة والتعويض عن التعب بالنوم فإن الروح لا تتوقف عن العمل ولا تنام نهارا ولا ليلا فالفكر لا يتوقف عن التفكير لحظة واحدة وإذا أراد أن يتوقف عن التفكير فلا يستطيع بحال ما وفيما يظن الإنسان أنه يضبط نفسه عن مواصلة التفكير بجد ذاته يواصل التفكير فى كيف يضبط نفسه عن التفكير !!

وفى أوقات النوم يتخدر الجسد وتخمد حركة الأعضاء ولكن الروح مع ذلك تظل متيقظة صاحية ويقظتها دائمة تظهر فى الأحلام إذ الأحلام دليل على يقظة الروح وأنها لا تهدأ ولا تنام ثم أن الروح تواصل أثناء الجسد التفكير فيما كان الإنسان مشغولا بع قبل النوم أو فى الأمانى والرغبات والمطامع التى يصبو الإنسان إلى تحقيقها

وقد قال مخلصنا " أما الروح فنشيط وأم الجسد فضعيف " وأما أن الروح فى نشاطها وعملها المتواصل بلا توقف شبيهة بالله فلأن الله لا ينعس ولا ينام . وقد قال مخلصنا " أبى وأنا أعمل " أم أن الله استراح ى اليوم السابع من عمله الذى عمله فليست الراحة هنا بمعنى التوقف عن العمل لكنها بمعنى الفراغ من عمل الخليقة الأولى على أن الله يخلق من جديد فى كل يوم كائنات جديدة من نباتات وحيوانات وبشر هو يرعى كل خلائقه ويحفظها لأنه ضابط الكون , وعصفور واحد منها يسقط على الأرض من غير إذنه وقد عرفنا أنه لا يزال حتى الآن يقوت العصافير والغربان وطيور السماء

سابعا : الإنسان يشبه الله فى سيادته على الطبيعة وسائر المخلوقات وحق التصرف فيها

الواضح من سفر التكوين أن الله خلق آدم سيدا على المخلوقات وأعطاه سلطانا على تدبيرها وسيادتها والتصرف فيها على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى جميع كل الدبابات الدابة على الأرض فخلق الله الإنسان على صورته وعلى صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم وباركهم الله وقال اثمروا وأكثروا واملأوا الأرض واخضوعها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى جميع الحيوان الداب على الأرض ... ويقول صاحب المزامير عن الإنسان " كللته بالمجد والكرامة سلطته على أعمال يديك وأخضعت كل شئ تحت قدميه الغنم والبقر كله وبهائم الصحراء أيضا وطير السماء وسمك البحر السائر فى سبل البار

ويقول يشوع بن سيراخ " خلق الرب الإنسان من الأرض وأعاده إليها جعل لهم وقتا وأياما معدودة وأتاهم سلطانا على كل ما فيها ألقى رعبه على كل ذى جسد وسلطة على الوحش والطير " وكعلامة على سيادة آدم على المخلوقات وبينه على تسلطه من الله عليها . منحة الله امتياز تسميتها بأسماء وقد صارت الحيوانات بالاسم الذى أطلقه عليها آدم " وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بها ليرى ماذا يسميها فكل ما سماه آدم من نفس حية فهو أسمه فدعا آدم جميع البهائم وطير السماء وجميع حيوانات البرية بأسماء " وقد جاء فى صلاة الحجاب بقداس القديس باسيليوس قوله " أيها الرب إلهنا .. الذى كون كل شئ يحكمته وبحكمتك خلقت إنسانا ليكون رئيسا على المخلوقات التى منعتها من قلبك ويسوس العالم بقداسة وبر "

على أن آدم الإنسان الأول خلق أيضا رئيسا وسيدا على امرأته حواء وخضوعه لمشورتها ولم يفلح اعتذار آدم فى ذلك لأنه أولا وقبل كل شئ هو المسئول الأول أمام الله وقال لآدم لأنك سمعت صوت امرأتك فملعونة الأرض بسببك بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك , وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الصحراء بعرق وجهك تأكل خبزك حتى تعود إلى الأرض التى أخذت منها

ووبخ الرب حواء على مخالفتها وعرفها بسيادة آدم عليها وقال للمرأة " لأكثر مشقات حملك بالألم تلدين البنين , وإلى بعلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك

ولهذا يقول يشوع بن سيراخ : " غضب ووقاحة وفضيحة عظيمة المرأة التى تتسلط على رجلها .. أن تسلك طوع يدك تخزيك أما أعدائك " ويقول أشعياء النبى منددا بما صار إليها سوء أحوال بنى إسرائيل " هى أولاد والنساء يتسلط عليه " وجاء فى سفر الحكمة الأزلية قائلا " هى التى حفظت أول من جبل أبا للعالم لما خلق وحده وأتته قوة ليتسلط على الجميع " وعلى هذا خلق أدم ليكون سيد المخلوقات جميعها وليكون سيدا لحواء أيضا " ولهذا قال الكتاب أيضا " لتخضع النساء لرجالها كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس كل شئ " . وقد أوصى الكتاب المقدس الرجال بأن يحبوا نساءهم ولكنه أوصى النساء بالخضوع لرجالهن فى كل شئ كما تخضع الكنيسة للمسيح وكخضوع الجسد للرأس ومما يقول أيضا " وكذلك أنتن أيتها النساء أخضعن لرجالكن كما كانت سارة تطيع إبراهيم وتدعوه سيدها "

وفى هذه السيادة على الجميع الخلائق يشبه الإنسان الله فى سيادته كخالق على كل الطبيعة , وللإنسان بصفة عامة , والرجل بصفة خاصة شرف أيما شرف أن يكون ظل الله على الأرض , فى حكمة وتسلطه على كل الموجودات

ولهذا كله تشرف آدم لا ليصبح سبيها بالله فقط بل بأن يتبناه الله وينسب إلأيها ويسمى من قبيل التبنى باين الله

هكذا جاء فى إنجيل القديس لوقا والإصحاح الثالث وهو يسرد النسب الملكى لربنا يسوع المسيح من حيث الجسد ويبدأ من يوسف بن هالى على ما كان يظن ويصعد فى سلم النسب " أنوش بن سميث بن آدم بن الله "

وآدم لا يسمى ابن الله إلا بالتبنى ومن حيث أنه قد خلق على صورة الله ومثاله وهو فى هذا رمز إلى مخلصنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد بالطبع لا بالوضع , وبالحقيقة لا بالتبنى

علم النفس فى ضوء الكتاب المقدس

النفس ليست هى الروح ، و لكن العلاقة بينهما متينة ، و لا يمكن الفصل بينهما ، فالنفس تحيا بالروح ، و الروح تعمل فى قيادة و توجيه النفس ، و نفس لا تعمل إلا و هى حيه أى ممتدة بالروح ، و هذه النفس الحية قابلة للهلاك فى العالم عندما تموت بالأنفصال عن الروح التى تمدها بالحياة ، كما أنها فى حالة فسادها تلقى الموت الأبدى فى جهنم النار ، و ارتباط النفس بالجسد ، من حيث أنها ضمن مكوناته يجعلها عرضه للموت معه ، فهى تموت بعد الموت الأرضى بانفصالهما معاً عن الروح ، و تقوم أيضاً فى القيامة العامة ، حيث يتحدان معاً بالروح أمام الله للحساب

 

و الحديث عن خلاص النفس يعود إلى أنها ضمن مكونات الجسد و لذلك فهى مرتبطة بالحياة الدنيا ، و بالتالى فهى تفسد فكرياً و سلوكياً و تتحول حكمتها إلى الطبقة الفاسدة – أما الروح فهى تنمى نسمة الحياة ، و هى خالدة لا تموت سواء كان هذا الخلود فى النعيم أو الجحيم . و الروح تعنى الحياة و عندما تنفصل الروح عن الجسد يموت الإنسان .. و لما كان الإنسان المسيحى يحيا فى العالم فإنه معرض لهجمات و إغراءات عدو الخير ( ابليس ) الذي يريد إفساد حياة الناس ، و لذلك فإن ممارسة الأسرار المقدسة تجعل الإنسان المسيحى ممتلئاً دائماً من الروح المقدس بذلك يظهر فيه ثمر الروح فهو : محبة ، فرح ، سلام ، طول أناة ، لطف ، صلاح ، إيمان ، وداعة .. و تعفف

إن المخ يخزن الذكريات ، و يعمل كمسجل عالى الدقة .. يسجل على شرائط صورة طبق الأصل من كل تجربة ابتداء من وقت الولادة ، و أنه من الممكن استعارة الذكريات و التجارب المختزنة بدقة شديدة ، و من أهم الاكتشافات أن المخ لا يسجل الأحداث الماضية فقط بل أيضاً الأحاسيس التى ارتبطت بتلك الأحداث ، فالشخص يتذكر الموقف و الأحاديث التى دارت أثناءه و أيضاً الانفال أو الإحساس الذي نتج عنه .. و سهل علينا أن نفهم كيف أن الماضى يؤثر فى الحاضر ، فلا شئ يضيع مما فعله الإنسان على مدى سنوات عمره و أن الشخصية بناء متعدد الطوابق ، يرتكز كل طابق على الطابق الذي يسبقه ، كما يحمل الذي يعلوه .. و فى دور الحساب سيواجه الإنسان نوعاً آخر من التسجيل المدون لن يستطيع إنكاره ، و هكذا يستحيل الحديث عن النفس منفصلاً عن الروح

الروح تشترك مع النفس فى تحمل مسئولية كافة أنواع السلوك التى جرت أثناء الحياة فى الجسد و تم اختزانها فى شكل تجارب و ذكريات .. و إذا كانت هذه التجارب و الذكريات تنسب إلى النفس .. فإين تقف الروح وهل هى منفصلة عن النفس و الجسد ؟

سر الاعتراف يجعل الإنسان المسيحى يستغنى عن الطبيب النفسى إذا قابلة ، أو الاعتراف فى جلسة مصارحة يقول فيها كل متاعبه التى تقلقه

أن التجارب و الزكريات و الانفعالات و الكلمات كلها مسجلة لكى تكون شاهدة على صاحبها يوم الدينونة ، و مادام الأمر كذلك فإن ترتيب الكنيسة لممارسة سر الاعتراف يساعد الإنسان الذي يعترف بخطاياه لينال الغفران من الله المصوب بالتوبة (سليمان الحكيم : من يكتم خطاياه لا ينجح .. و من يقر بها و يتركها يرحم )

يقول علم النفس : أن الفرد يتصرف و يشعر ليس حسب ما تعنيه الأشياء لكن حسب الصورة الفعلية التى لديه عن هذه الأشياء ، و أنه لدى كل فرد صورته الخاصة عن ذاته و عن العالم ، و هو يتصرف حسب الصور ، و عندما تكون هذه الصور مخالفة للحقيقة فإنها تؤدى إلى السلوك الخاطئ

وقوع الفرد ضحية للمرض النفسى ، فهل يترك الإنسان المسيحى ذاته فريسة لهذه الصور التى لا يمكن تحقيقها فى الواقع ؟

أن الشخص الذي يتعرض للأمراض النفسية هو الذي يريد و يصر على الحصول على ما يريد ، و بالشروط التى يفرضها هو .. أما الإنسان المسيحى الذي يعيش فى ضوء تعاليم الكتاب ، فإنه يحس بارتياح غامر عندما يتذكر أن العالم يمتلئ بهذه الصور الفعلية التى يطمع الناس فى تحقيقها ، و لكنهم يصطدمون بأن الواقع غالباً ما يخالفها ، و يرى أنه يجب أن يملك حسب الصور فى الكتاب ، و سير الشهداء

و أول حديث عن الصور فى الكتاب .. ما ورد عن خلق الإنسان فى صورة مقدسة فى صورة الله ، و للأسف بفان هذه الصورة لقسوتها الخطية ، و أصبح الناس محبين لأنفسهم ، محبين للمال ، متعاظمين ، مجرمين ، مستكبرين ، غير طائعين لوالديهم ، غير شاكرين ، و قاسين

و قد فصل القديس بولس فى وصية إلى الكنيسة كافة الصور التى تقود الناس إلى السلوك المنحرف ، و قال صراحة أن أصحاب هذه الصور لهم صورة التقوى و لكنهم منكرون قوتها ، أى أنهم يظهرون أسوياء و هم منحرفون و لذلك فإن الشخص الذي لديه صورة منشورة عن المرأة التى يجب أن يقترن بها يخطئ كثيراًَ عندما يتجاوز فى تصوراته .. مع أن سليمان الحكيم أورد صوراً جذابة عن المرأة الفاضلة التى يقترن بها الرجل ، يعيش سعيداً و هى صورة مناسبة من حيث المبادئ الروحية و المثالية ، و لكن كيف يحصل طالب الزواج على الزوجة الصالحة التى قال عنها سليمان " أما الزوجة المتعلمة فمن عند الرب "

لقد أورد الكتاب المقدس مثلاً طيباً للإنسان الذي يترك الاختيار للرب ، و هو مثل اختيار زوجة لأسحق ابن ابراهيم ، و لذلك يجب أن ندع هذا الأمر للرب ، و نطلب منه أن يختار الزوجة الصالحة ، و نقبل اختياره بشكر عظيم ، و لا نتكل على موهبتنا فى الاختيار حسب الصورة الفعلية التى نكونها لأنفسنا قاصدين أن نحققها بجهودنا الذاتية ، فقد تكون لدى الرب صورة أخرى يرى أنها تناسب ، فيجب على الإنسان أن يترك للرب قيادة حياته

أن أطباء النفس ينسبون معظم الأمراض النفسية إلى رواسب مراحل الطفولة المختلفة التى يكون فيها الفرد عاجزاً عن توفير احتياجاته الأساسية بنفسه و يعتمد على الآخرين .. و الطفل تنقصه الخبرات فى الحياة و يعتمد فى البداية على أمه فى توفير احتياجاته الأساسية ، و مع تقدم العمر يحتاج إلى بقية الأسرة و تزداد خبرات الطفل نتيجة اتصالاته و علاقاته بالآخرين

و يظهر دور التربية ، و يوطد الطفل علاقاته بهؤلاء الذين يوفرون له احتياجاته مع الله النى يعتنى به و بأمه و أبيه ، و كل من حوله .. و هذا هو دور التربية الدينية فى حياة الطفل المبكرة التى تعلمه أن الشبع الحقيقى فى العلاقة بالله و أن الأمن و السلام لا يتحققان بتوفير الاحتياجات المادية ، بل بالقرب من الله ، و يدرك أن هناك احتياجات روحية لا ينالها إلا بالعلاقة مع الله من خلال الصوم و الصلاة و ممارسة الأسرار ، و مع نمو علاقته بالله يعرف المحبة الحقيقية و هى أن يحب الله و أن يكون محبوباً لديه . و لا شك أن بداية إحساس الطفل بالعاطفة تجعله يتجه نحو أمه ، و تدفعه فيما بعد إلى التقرب من الله و أن التربية الدينية الصحيحة تجعله يعرف أن العلاقة بالجنس الآخر لها مجالها الصحيح عن طريق مشروع الزواج المقدس

و فى مرحلة الطفولة يظن أن التعامل مع هذه الحياة يسير فى اتجاه واحد و هو اتجاه الأخذ ، و هنا تعلمه التربية الدينية أنه لا يوجد أخذ بدون عطاء و لابد أن يعرف الطفل منذ الصغر أن الرجل ليس من دون المرأة و العكس ، و لكى يصير الطفل طبيعياً لابد أن يتعلم كيفية التوافق مع الناس عن طريق القدرة ، و أول من يقتدى بهما هما الوالدان

يقول علماء النفس : " الإنسان فى توترات مستمرة " و هذه التوترات تثير الرغبات التى ينشغل بمحاولة إشباعها ، مع حرصه على عدم الدخول فى متاعب مع نفسه أو الآخرين و أن إشباعه للرغبات يخفف التوترات ، مما يعطى الإنسان إحساساً بالأمان و يحرره من القلق .. و حتى لا يصل الإنسان إلى الإحباط بسبب العجز عن تحقيق الرغبات ، يقترح العلماء تعديل الرغبات حتى يمكن إشباعها و تعنى الإحساس بالالتزام لديه حتى يصبح جزء من أدواته الفعلية (و هو يسبب العجز )

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

تم التطوير بواسطة شركة ايجى مى دوت كوم
تصميم مواقع مصر - ايجى مى دوت كوم