مقالات القمص أثناسيوس جورج

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

القمص أثناسيوس فهمي جورج

أوردت وسائل الإعلام أخباراً متكررة عن حالات انتحار Suicide دامية ومحزنة ، وهي مدخلي في البحث حول النهاية التي انتهت إليها هذه النفوس ، حيث أن مجد الله في خليقته ولذَّته في بني آدم ، وحيث أن حياة الإنسان هي لرؤية الله ونوال هباته المجانية الممنوحة من عند إله الرحمة والرافة محب البشر الصالح والذي لا تفرغ رأفاته؛ بل هي جديدة في كل صباح ، وهو الذي أوصى كل حي ، كي يختار الحياة ليحيا بالروح والحق متجلياً بالجمال الإلهي.. لكن الخطية هي التي تغرس الوهم فيمن تسود عليهم وتجعل وجودهم عبثياً وعدمياً وزائفاً في ( سجن الأنا) يطلبون ما لأنفسهم ، بينما لن نكون مسيحيين بالكلام بل بالشركة والعمل في حياة المسيح وفرح الثالوث القدوس بحيث لا نتوقف عند الثرثرة والإدانة؛ بل ننتقل إلى متطلبات الضرورة الموضوعة على كل واحد منا ، كحجارة حية في بناء واحد وأعضاء لجسد واحد . لا نتزعزع ولا نرتاع فيه ( بالخلاص المشترك ) بل نكون مالكين لأرواحنا ،لأن ضابط نفسه خير من حاكم مدينة ، شاخصين لرجاء دعوتنا وإلى الداخل الذي يتجدد يوماً فيوماً و غنى مجد ميراث القديسين الذي نأتي إليه وعنده نصنع منزلاً .

أما الانتحار فهو قتل الإنسان لنفسه عمداً وذاتياً ليُنهي حياته باختياره ، من حيث يدري أو لا يدري . وهي عملية تدمير متعمد للحياة التي هي هبة من الله وآتية من عنده ، والتي تقع في فلك ومدار قدرته ، كونها عطيته ، وقد صار الإنسان وكيلاً لها ، يتحمل مسئولية الحفاظ عليها ، لأنها ليست ملكًا له بل لله الخالق الذي أعطاه إياها ، منذ أن جَبَلَه على غير فساد ، حسب صورته ومثاله الإلهي الأقدس .

مسيحُنا هو سيد الحياة والموت ، ومعه وحدَهُ مفاتيح الدهور والهاوية والأزمنة ، و هي له وحده وليس لملكه انقضاء ، لذلك إهلاك الكيان المخلوق بواسطة الانتحار ، هو تمرد في وجه الله الخالق المخلص ، وهو ينُمّ عن انعدام الإيمان بالعناية الربانية ، لهذا يعد الانتحار تعبيراً صارخاً عن التجديف وجحد الإيمان ومرارة اليأس المشابهة لموت يهوذا . ويقول أحد اللاهوتيين عن المنتحر بأنه "يهوذا الخائن الذي رفض الله والله رفضه" ، لكنني في هذا الخصوص لا اقصد أبداً أن استدعي مرارة الحدث وجسامه الفعل وبشاعته ، بقدر ما أتجه نحو التوعية اللاهوتية الواجبة ، والتي مُفادها أن الله يرفض كل من يقضي على حياته بنفسه ؛ لأن "من خطئ إلى نفسه فمن يزكيه" ، وكل "من أساء إلى نفسه فإلى من يُحسن" (بن سيراخ ٣٢:١٠ - ٥:١٤) .

ووسط هذه الأجواء المشحونة عاطفياً بالمشاهد الصعبة التي تكررت وتداولها الإعلام . أقول أين نحن من هؤلاء ؟!! هل سيصبح الانتحار ظاهرة عندنا ؟!! وكيف لم نصِلْ إلى هؤلاء ؟!! إنها ليست مسؤولية جهه بعينها ولا أشخاص محددين ، ودَعُونا لنعمل ونخدم جميعاً لأن خدمة النفس البشرية تحتاج إلى الكثيرين لا إلى المتفرجين والمكتفين بالوصاية والانتقاد الهدَّام ، فهؤلاء انتحروا كونهم أحسوا بأنهم مرفوضين ومحتقرين مهملين ومتروكين ومكروبين ، إنهم انتحروا لأننا لم نخبرهم بمعنى بشارة الحياة الأبدية ، وبمسيح الخلاص والرجاء والشبع والسرور . انتحروا لأنهم لم يتعرفوا عملياً على مُريح التعابى الذي يعطينا النجاح وينزع الغم من قلبنا والشر عن لحمنا (جا١٠:١١) ويخلص إلى التمام ... ما الذي أوصل هؤلاء إلى خيار الموت وإلى عدوى وباء الانتحار الذي يستحوذ على الأدمغة ؟!! ليتنا لا نكتفي بالتحسرات والتمنيات بينما يبقي الظل معتماً يخيم بعيداً عن المعالجة الروحية والاجتماعية والنفسية والمادية . ليتنا ندين أنفسنا أولًا؛ لأن التشخيص هو طريقنا إلى العلاج الحق ، فلا نقف في خانة القائل "أحارسٌ أنا لأخي" !! ... ومهما تعددت أسباب الانتحار التي يسمونها علمياً الآن ب "الانتحار الواعي" سواء كانت أنانيات أو تشويش واكتئاب أو اعتلال النوافل العصبية أو الإحباطات والصدمات والعوارض ، إلا أنه لا بُد أن يكون لدينا رعاية رحيمة وتعليم لاهوتي مشبع ووقائي ، حتى لا يكون دور السامري الصالح غائباً عن الحدث .

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

بقلم : القمص أثناسيوس فهمي جورج

لا تتوقف البدع عند العقيدة فقط ؛ بل يمتد انحراف شَطَحَاتها إلى ظواهر منحرفة تخالف التسليم الرسولي وصورة التعليم الصحيح التي عاشها ونقلها الآباء الأولون... بمعنى أن هناك أمورًا غريبة وسلوكيات غير مألوفة الاتباع ، تكرارها يجعلها قاعدة بالتقادم... وأرى أنها تتسلل إلينا بسبب الأهواء والأمزجة ( النفسنة ) التي يتبعها من ينقلون التخم القديم الأصيل ؛ بدعوة التطور واللاطائفية وتبديل الأرثوذكسية بأرثوذكسية (مُهَجَّنَة) ؛ معتمدين على استخدام أجوبة قالبية سابقة التجهيز ، وهي في جملتها انتقائية وتلفيقية مبتورة.

لقد كثرت حركات تمردية لتجمعات مغلقة بمسميات تُحاكي عالم السياسة الشعبية ؛ تتسم أطروحتها بمفردات النقد الهدام والتجريح والإهانات المرسَلة ، وكذا محاكمة الأفكار والنوايا وتقييم ذوي الأمجاد ، والتطاول على مقامات ومرجعيات ؛ كان لها أن تكرَّم وتُذكَر بالخير والوفاء وطلب الرحمة.

فهل مثل هكذا طريقة يمكن أن تصب في البناء والامتداد والتعميق والوحدانية؟! لا أعتقد!!! بعد أن صارت هذه الحركات مادة خصبة وصفراء يتبادلها كل من يحاول هدم صيت وسُمعة مسيحيي هذا الزمان ، بكل تفريعاتهم... فلنراجع أنفسنا في كل شيء ليكون لمجد الله ، والكرازة باسمه !! حيث بُوصلتنا أن نكون رائحة زكية وأنوار وسفارة تعظ عن المسيح؟!! ..هل هذه صورة الكنيسة التي نرجوها في زمن اضطهاد صعب وحرق وإمحاء؟!! كيف يتمجد الله بدون المراجعة والمخافة الروحية واحترام خيارات الناس وسُمعتهم وكراماتهم وخصوصياتهم الإنسانية؟! من المستحيل اعتبار الشائعات ونشر المذمات والعثرات والصغائر والإسقاطات والتجاوزات نقدًا حرًا بنَّاءًا أو إصلاحًا؟! فضلاً على وجود حركات سرية تتحيَّن الفرصة لنشر وترويج أخبار ضد السمعة الشخصية والجماعية للأشخاص والكنيسة (ضد الكنيسة anti – Church / ضد الأسرار / anti - Sacramental ضد الإكليروس anti - Clerical .

وتنتشر حوارات إنترنتية وإعلامية في جرائد وفضائيات تطعن في عقيدة الكنيسة وتطالب بمحاكمات لأحياء بل ولراقدين أيضاً... وجميعها تدَّعي لنفسها الحق الغيور المطلق دون غيرها ؛ بل وتدَّعي أنها أكثر فطنة وصوفية وتأصيلاً من الكنيسة بكل طغماتها ووسائل قوانينها ؛ بينما هي تأتي في سياق علامات الأزمنة ونهاية العالم ومظاهر التفكك والانسلاخ من الجذور ، والانحطاط القِيَمي والتناقضات الجوهرية التي تتجمع وتتقمص في نمط سوبر ماركت للأديان (كوكتيل).

إن روحانية الكنيسة الأولى لا تعرف الفوارق الطبقية أو الحواجز بين أعضائها ؛ فكل شيء تتم مناقشته وحَلُّه بالحوار والإقناع لبلوغ الفكر المشترك.. لهذا يقول معلمنا بولس الرسول أيجرؤ أحدكم ؛ إذا كان له شيء على غيره ؛ أن يقاضيه لدى الفُجَّار (أي الوثنيين) ، لا لدى القديسين؟؟! وهل يتجاسر أحد أن يتقاضى عند الظالمين وليس عند القديسين ؛ بينما هم سيدينون العالم؟؟! فكم بالأولى أمور هذه الحياة؟؟! (١ كو ٦ : ١).

إذن كيف نحن نذمُّ الكنيسة؟!! وكيف نخوِّنها؟؟! ونهينها في الإعلام والمنتديات وفي المحاكم؟؟! أن يقاضي أحد الكنيسة مدنيًا ؛ فهذه قطيعة ومخاصمة ؛ أفَهَل الأمر القسري في علاقتنا أقوى من الرباط الإلهي والعضوي الروحي؟؟! فلتكن أمورنا برحمة وتدبير وعدل من جهة الكنيسة ، ولتكن بمصارحة وانفتاح واحترام للعقول والنفسيات والظروف التي نحياها جميعًا ؛ كي لا تتدخل بيننا الأمم ؛ لأننا منظرٌ لله وللعالم والملائكة.. أمورنا تُحل بالمعالجة الرعوية الحكيمة المتبصرة التي تدبر بتواضع وضمير ؛ لا بالتسلط والتسيُّد أو التأجيل وغضّ الطرف.. وكلما تحاورنا بتعقل وانصهار ؛ ازددنا حكمة وحبًا وقبولاً ، أما التشنج والذمّ والتخبط فلن نجني به إلا هُوَّة التباعد والخسارة... لن تنصلح أمورنا التي تحتاج إلى معالجة بالتشنيع ولا بالمهانات والتطاول؛ لكن باقتناء ثمار الروح وبالإنصات العملي لما يقوله الروح للكنائس .

الشيطان يقال له باليونانية Διαβολος (ذيافولوس) أي الذي يقسِّم الناس ، ويزرع الفتنة والظنون الخدَّاعة والتحزبات ؛ كي يغلق علينا ويُبعدنا عن المحبة والبساطة وشفافية المصالحة التي هي عَصَب المسيحية وروحها ؛ التي ننطلق بها إلى إبداء الرأي دون جهل بالأمور التي نُبدي فيها آراءنا ؛ لأنه كيف يتسنَّى لنا أن نتحاور في أمور لا عِلم لنا ولا دراية بجوانبها؟! وكيف أُدلي برأيي وأنا لستُ لا عابدًا ولا مصليًا ولا خادمًا ولا مُطَّلعًا ولا عارفا ولا قارئًا ولا ملتزمًا بشيء... حيث الانتقادات الجاهلة تهدم ولا تبني ، وتدفع صاحبها للتحيز إلى وقائع كاذبة مبنية على الوشاية والإشاعة والوقيعة المغرضة... إن كان لنا شيء نريد قوله أو عمله ؛ مميزين متى وكيف ولِمَنْ وأين نطرحه؟! لأنه لا يقدر أحد أن يبني إلا الذي يسعَى للخير لا للهدم... فأمينة هي جراحات المحب وغاشة هي قُبُلات العدو. كذلك علينا أن لا نردد كل ما نسمع أو حتى كل ما نعرف ؛ لأن ليس كل ما يُعرَف يقال ، ولأننا سنعطي حسابًا عن كل كلمة بطَّالة ليست للبنيان.

متى تكلمنا بغيرة وفهم ؛ ستكون آراؤنا مملَّحة بملح الروح وبالأدب المسيحي المقترن بالمحبة وعدم المذمَّة ؛ لأن مُشِيعُ المذمَّة جاهل ، أمَّا الحكيم فيقطِرُ عطرًا (أم ١٠ : ١٨). لقد قال لي أحد زملائي الكهنة في كنيسة السريان : ( الكنيسة ليست فَشَّة خُلْق )، لمن يعاني شجارًا وانقسامًا ومخانقة بنفسه ، ووصية المحبة والاحتمال هي للجميع وليست لطرف من دون الآخر ، والوصايا هي للجميع ، وليست انتقائية لتوظيفها في سياق نريده فقط للاستعمال.

لذلك كل إصلاح لا بُد أن يتم بوداعة المسيح من غير تشنيع ومكابرة إبليس المخرب ، الذي يشتكي علينا وعلى إخوتنا نهارًا وليلاً .. كي نرحم ونقبل بعضنا بعضًا ، ونستر ذنوب بعضنا... ليس بالسكوت والتخاذل ؛ لكن بالمساهمة في السعي الإلهي بلا دمدمة ولا صخب ؛ لأن الصخب والبلبة كانت في بابل ؛ بينما مسيحنا أتى إلينا ليجمعنا ويوحِّدنا ويضمنا لنكون في عِلِّية صهيون كنيسته الطاهرة، التي لا خلاص لأحدٍ خارجها ، وهو الذي يُسكِن المتوحدين في بيت واحد ؛ بما فيهم من حنطة وزوان ، سمك جيد ورديء ، خراف وجداء ، كائنات طاهرة وغير طاهرة ، آنية من ذهب وفضة وخشب وخزف.

لنتَّعظ جميعًا من حادثة برج بابل الكتابية التي قام فيها نمرود ومن معه بسبب كبريائهم ببناء البرج ؛ ظانين أنهم سيبلغون بتشامخهم رأس السماء ؛ مناطحين السحاب ؛ ففقدوا الوحدة الجامعة ؛ وانقسمت وتبلبلت ألسنتهم ثم تبدد الناس على وجه الأرض ؛ لأنهم عاندوا ولم يفهموا لغة الروح ، واتبعوا لغة مضادة ، وبدلاً من أن يتجنبوا الشر والشرور ؛ تعاظموا.. وحقًا "قبل الكسر الكبرياء ؛ وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم ١٦ : ١٨).. فهكذا عوقبت الألسنة ؛ لأنها كانت أداة التشامخ والاستعلاء ؛ ولم يفهم الناس بعضهم فانفضُّوا منقسمين ؛ وفرَّق الله ألسنتهم (مز ٥٥ : ٩) ، أما نحن فمدعوون أن نترك بابل ونأتي إلى عِلِّية الوحدة والاتفاق الصالح.

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

القمص أثناسيوس فهمي جورج

كلمة إيغومانوس Ηγούμενουςتعني مدبراً ؛ أو كما يسميها كِتاب الرسامات ”الهادي“ و ”المرشد“، وهاتان صفتان لقائد السفينة ودليلها الذي ينال روح سلطة المعرفة بوداعة؛ والمحبة بصبر ؛ ليُرضي الله في كل عمل صالح ، ويكون مثلاً للذين تحت طاعته:-

١- ينذر الذين بلا ترتيب.

٢- يشجع صغار النفوس.
٣- يسند الضعفاء.

٤- يتأنى على الجميع.
٥- لا يجازي أحدًا.

٦- يتبع الخير مع الجميع.
٧- يصلي بلا انقطاع.

٨- يشكر على كل شيء.
٩- لا يطفئ الروح.

١٠- لا يحتقر النبوات.
١١ - يتمسك بالحسن.

١٢- يمتحن كل شيء.
١٣ - يمتنع عن كل شر.

١٤- يحمل أثقال الجميع.
١٥ - يكرز بالتعليم الصحيح.

١٦- يرتب العطايا والتدابير

لذلك لا تأتي نعمة التدبير إلا بتعضيد الروح الرئاسي ”بروح رئاسي عضدني“ ، هذا الروح يعضد فقط المساكين بالروح الخاضعين لمشيئة إلههم ، بجحدهم مشيئتهم الذاتية وإنكارها ، فيظهر فيهم وبهم تدبير المدبر الذي حمل الرئاسة على كتفيه بالصليب... وكل مَن يصير قمصًا ”إيغومانوسًا“ أي مدبرًا ، يرفض الراحة والرخاوة في عمل الملكوت ؛ وعندئذٍ يكون قد صار إيغومانوسًا عند القديسين والملائكة ، مكملاً خدمته بضبط النفس وانسحاق الخادم المريح لرعيته وأبنائه ، ليكون بذلك قد صار شريكًا في نصيب الابن الوحيد؛ رئيس آباء مثل رؤساء الآباء.

نَعَمْ إنها درجة من درجات المجد الحقيقي ؛ لذلك قال معلمنا بولس ”المُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ“ (١تي ٥ : ١٧) ، وهي معطاة لكل من لا يرفع عقله وفكره فوق تدابير الله ، محترساً من لدغات الحية ؛ والتذمر ومن أصوات الغرباء المقلقة للروح ؛ حتى لا يفقد اختياره الحر في طقس الذبيحة وخدمة الفقر المجيد ، مكملاً مع الابن الوحيد طقس طاعته ؛ كما سُر هو بالحزن ليأتي بأبناء كثيرين إلى المجد ، ملتزمًا بشكل خدمته ؛ ليكون طقسها مثل جوهرها كما تسلمناه ، استرضاءًا للروح القدس الفاعل في سِرّنا وكهنوتنا ؛ لأنه هو عزاؤنا الوحيد بالفهم والمشورة والمعرفة والنصح والتبكيت والحرية ، التي ترنّ في حياتنا كأرغن سماوي ينقل أصداء ليتورجيا الرؤيا السماوية وغسل الأرجل منذ تأسيس سر خميس العهد .

صلواتنا الشخصية والسرية هي طقس الطريق وقوته ؛ التي تُلهمنا لندقق ونفتش ونراجع أنفسنا حتى لا ننساها ، ونرصد حركاتها ليكون خلاصنا نُصْبَ عيوننا فوق كل اعتبار ، فتكون عملنا قبل كل عمل ، إذ أن تقديسنا الشخصي هو أيقونتنا ، وبه نخدم أكثر من كل برهان كلام ؛ لأن دعوتنا الذبيحية للعبور مفتوحة كل حين بإستعدادنا لخدمة المذبح. ونحن مطالبون بدخول بستان معصرتنا في جثسيماني وجلجثة قسمتنا الشرطونية ؛ القادرة أن تغير المجازاة والمقادير وقضاء المحاكمة. فلهذا فقط رُسِمْنا كهنة عنده ، ولهذا فقط نحن موضوعون برسم الحمل السالم ولا بديل... محاصَرين للعمل الذي وُضعت علينا الأيادي من أجله ، وهو مدينة ملجأنا ومعصرتنا ؛ حتى يشفق الله على شعبه وعلى خدام المذبح المقامين كحراس لأسوار أورشليم ، حارسينها في نوبات السواعي الليلية والنهارية من دون انشغال ولا غفلة كالأجراء .

المسيح أولنا وآخرنا ؛ وهو لنا الأول والآخر ، ولحظات عزائه تساوي أتعاب هذا الدهر كله.. لذلك لا ننشغل بكرامات رخيصة مغرورة ، ولا بالآلام والمضايقات ؛ لأنها هي عُمْلةُ التعامل هنا ، وهي التي تضفر لنا الإكليل لبلوغ القصد السعيد ، الذي من أجله تم تكريسنا وتعهدنا به. أما جرس الكنيسة فهو منذرنا ؛ وكأنه صاحب الديْن ؛ ينادينا لندفع ما علينا ونُوفِي نذورنا بلا عثرة ولا توانٍ ، متجهين إلى ما هو قدام ”لا تردّنا إلى خلف“ حيث ربنا هو قسمتنا ونصيب حظنا مع كل سبط لاوي الذي بدأ ولن ينتهي.

تمسُّكنا بكرامة الدعوة الكهنوتية التي أدخلنا فيها المسيح مجانًا ، تستلزم أن نقدم له مشورات حريتنا ؛ وأن نكتب أعمالنا تبعًا لأقواله ”أقوالنا مطابقة لأفعالنا“ ، وهو الذي أعطانا خدمة عظيمة ومملوءة سرًا ، كل من يستهزئ بها ولا يعيشها ؛ يصير مثل عيسو الذي باع بكوريته بأكلةٍ... هكذا من يتثقل أو يتباطأ أو يعمل عمل الله بيدٍ مرتخية أو يسعَى لأي ربح قبيح ؛ متسلطًا على الأنصبة ، يكون مخالفًا لطقس وقانون الكنيسة ، الذي كل من يلتزمها ؛ تحل عليه بركتها وهباتها الغنية.

كهنوتنا معمول ليكون إكرامًا ومجدًا للثالوث القدوس ؛ ولبنيان كنيسة الله الواحدة، وليس لإرضاء أحد ؛ لكنه مفتوح على السيد الرب الإله الضابط الكل لا على الناس ، ولا لإسترضاء اللحم والدم ؛ بل لاسترضاء وجه رئيس كهنة الخيرات العتيدة ، الذي يدخر أعمال السيرة كعُملات سماوية ورصيد محفوظ في سجل التذكرة مع كل الفعلة الأمناء. أمّا من يهمل ؛ فمصيره أن يشرب من عُكارة كأس الاعتداد بالذات ؛ وخسارة الزيغان لمسافة طويلة في محظورات الخطايا.
والكاهن الحق لا يرخي النظر عن كاهننا الأوحد ؛ ليجدد ويغيِّر صورتنا كصورته؛ لأنه هو فاحص الخفايا وحده ؛ ولا شيء غير ظاهر قدامه. وإن كان كاهنه يخدمه وهو غير مستعد ولا مستحق ولا مستوجب لهذه الخدمة ، وليس له وجه أن يقف أمام جلاله ، فمِنْ عنده معونة الخيرات الكاملة. كهنته يُعِيروه أياديهم ليحملوا كنوز أدويته ، بمقام حضوره ؛ طالبين منه أن لا يمقتهم ولا يصرف وجهه عنهم ، بل لتهرب عنهم سيئاتهم في هذه الساعة ؛ وكل ساعات حياتهم ، غاسلهم من الدنس ومطهرهم بالكمال ؛ بقوة يمينه غير المرئية ، فلا يخدموا أسراره للدينونة بل بقوته العليا؛ ليكملوها ذكية سمائية ، منعمًا عليهم بعقل وقوة وفهم ليهربوا إلى التمام من كل أمر رديء ومُضاد ، ومن كل ملاقاة الهراطقة والأشرار ، صانعين مرضاته كل حين.

ويذكر كتاب التقليد الرسولي أن محتوى صلوات الرسامات تختمنا ، عندما يطَّلع الله على عبيده ويملأهم من روح نعمة المشورة ومن حكمته ؛ ليخدموا في وحدانية القلب ، ويملأهم من أعمال الشفاء ؛ مكملين أعمال الكهنوت على الشعب ، كخدام للمذبح ، ويصيروا في قُمُّصية الأبوّة والتدبير الحسن ، مَرْكَبًا روحيًا يحمل البركات إلى ميناء الخلاص ، معلمين روحانيين نورانيين ، يرفعون المتعلمين إلى درجات الاختصاص ؛ ويستحقوا الأجر المتضاعف ؛ ويسبُغ عليهم الرب الخير المترادف.

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

القمص أثناسيوس فهمي جورج

صرح ا. رفعت فكري رئيس مجلس الحوار المسكوني " أحد قادة طائفة البروطوسطانط " لجريدة البوابة نيوز ، بأنه يرفض معتقد البتولية الدائمة للعذراء ، وهذه ليست المرة الأولى التي يتقيأ فيها هذه القيأة للإعلام ، لذلك كان لِزاماً علينا رده عن غيه ، حتى لا يستهين بالسيادة ويفتري على ذوي الأمجاد . ( يه ٨ )

أمُّنا العذراء الطاهرة مريم وَلَدَتْ ابنها الوحيد والبكر ، فكل ابن وحيد هو ابن بكر لم يسبقه أحد . وقدمت عنه ذبيحة يوم دخوله الهيكل حسب الشريعة ، ولدتْه من الروح القدس وهي العذراء التي أتاها الملاك بالبشارة المفرحة ، وقد حل عليها وسكن ابنها القدوس في أحشائها منذ أن ظللتها قوة العلى وجعلتها سماءاً ثانية وخيمة وبيتاً وخدراً وعرشاً للمسيا مشتهى الأجيال كلها .

إنها ليست امرأه رجل؛ لكنها أم وعرش وعذرا سكن في هيكلها الذي بناه هو بنفسه ، فلا توجد لغة ولا ريشة ولا ألوان ولا أصوات تستطيع وصف ما صار ، لأن الوحي الإلهي قد أشار لها بعد ولادتها وبعد إتيان المجوس ساجدين لابنها الملك الكاهن المخلص المولود قائلا : "رأوا الصبى مع مريم أمِّهِ" (مت١١:٢) وأيضا في البشارة للرعاة "وجدوا مريم ويوسف والطفل" (مت١٦:٢) .

إن الشيطان رئيس هذا العالم يجهل بتولية العذراء مريم ويجهل دوام بتوليتها ( قبل وأثناء وبعد ولادتها ) ، فقد ولدت ابنها وهي عذراء وبتوليتها مَصُونة ؛ لأن القدوس ابنها قد حفظ طهارتها بغير فساد ولا دنس .

إنها أم وعذراء وبتول معاً ؛ لأن ابنها عظيمٌ وابنَ العلى يُدعَى ، ويملك إلى الأبد ولا نهاية لملكه . لذلك هي مريم العذراء البتول التي ولدت ابنها المسيح البتول وقد عاشت عند يوحنا البتول بعد الصلب؛ لأن المثيل يستريح إلى مثيله ، فكما خرج السيد الرب من القبر عند قيامته وهو مغلق؛ هكذا خرج من رحم العذراء عند ولادته دون أن يحل بكوريتها .
لقد حرس ربنا يسوع مسكنه المقدس " عجنة البشرية " ، تلك الأحشاء التي حل فيها تسعه أشهر ، حفظها من كل شُبهة اتصال جسدي ، لأن يوسف وأمه كانا يتعجبان مما قيل فيه (لو٢) . إلها قديراً عجيباً مشيراً رئيس السلام . وهو الذي حضر عند رُقادها في بيت يوحنا الحبيب وحملها على يديه كما كانت تحمله هي على منكبيها ، فصارت تهليل وفرح وفخر وكرامة وثبات وعلم ونعمة وقوة ورفعة وآية ملتحفة بالشمس والقمر والكواكب من حول رأسها . ختم بتوليتها عجب عجاب كباب المشرق المختوم بختم عجيب؛ دخل وخرج منه رب القوات وأبقاه مختوماً على حالِهِ .

ويؤكد تقليدنا الكنسي الرسولي ، على أن العذراء مريم ذهبت إلى الهيكل بعد ولادتها ، ووقفت في مكان العذارى لأن جنتها مغلقة ويُنبوعها مختوم ، وهى باب المشارق الذي تنبأ عنه حزقيال (٢:٤٤) المغلق على الدوام والمملوء نوراً يدخل إلى قدس الأقداس ، منه يدخل ويخرج مَنْ هو على رتبه ملكى صادق . تلك شهادات قديسي الكنيسة الأوَّلين ، عن العذراء التي بقيت عذراء وبتوليتها سالمة لم تنحل ، وعن مولودها الإلهي الممجد ، الذي ترك أوتار بتوليتها مصونة كَسِرٍّ مدهش فائق على الأفهام . ولذلك جميع الأجيال تطوبها ، وتقول لها السلام لكِ يا والدة الإله؛ الفرحُ لكِ ، ونحن نعطيكِ السلام مع غبريال الملاك ، فمَنْ شكَّ فيكِ وافترى له العقاب جهنمُ .

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

القمص أثناسيوس فهمي جورج

المؤمن الحقيقى يبني إيمانه على صخرة الكنيسة "عمود الحق وقاعدته" (1 تى 3:15) . والأبُ الأسقف هو المسئول عن تعليم النفوس حتى لا تنخدع ، وحتى تتأسس على المعرفة الأرثوذكسية. ( معرفة التذوق والخبرة والعبادة وسجود العقل ).

من النافع والصالح لنا جميعاً رعاة ورعية أن نصلي حتى ننال موهبة تمييز الأرواح ، وحتى نرفض كل تعليم غريب وكل فلسفة وتسلية عقلية ، حيث أن آباء الإسكندرية تكلموا بأعمالهم وعملوا بأقوالهم ، عبر عمق النسك وجمال روحية العبادة ووسائط نعمة كنيستنا .
لذلك الكنيسة لا تقبل أي فكر مضاد لأقوال ولسيرة الآباء قديسي الكنيسة وشُفعائها - فكيف يتشدق أحدٌ بأنه قارئ ودارس للآباء ؟ بينما هو لا يحيا نهج حياتهم وسلوكهم ، وكيف نردد كلمات الآباء ثم نفتري على ذوي الأمجاد ، بتحقير آباء آخرين ؟ فالذين تكلموا في الإلهيات ، هم فقط الذين عاشوا استنارة التقوى والسجود والتضرع والصيامات وطاعة التلمذة ، بطهارة واتضاع وأدب روحي ، خاضعين للاستعلان الإلهي ، وللمرشدين الذين يسهرون عليهم .

الأسقف هو "حامل آنية الرب" (إش 52 : 11) وهو الذي يحمي ويصُون تعليم الكنيسة النقي، ويدافع عن سلامتها بكل غيرة وثقة في الرب: وجهاده موضوع تجاه ؛ ليس فقط الذين هم ضد الأرثوذوكسية، بل أيضاً تجاه "مُدَّعي الأرثوذكسية" الذين يتسللون لتغييب الروح الأرثوذكسية السليمة " بأرثوذكسية مُهَجَّنة " ، ليست حسب التسليم مرة للقديسين .

الأسقف مسئول عن تسليم الوديعة وفق التسليم الرسولي بعيداً عن المماحكات والابتداعات الغريبة ، وعن روح وفكر ومنهج كنيستنا (الأرواح المضلة) (1تى:4:1). لأن منهجنا اتباع واقتفاء ، وليس ابتداع .

لقد حذر القديس أثناسيوس أسقف الإسكندرية وحامي الإيمان من الذين يتكلمون لغة الأرثوذكسية وهم ليسوا كذلك ، فهناك كثيرون ليسوا أرثوذكسيين ولكنهم يتسترون وراء الآيات ( سواء الآية الواحدة أو القول المجتزَئ ) ويندسُّون داخل الكنيسة بينما فكرهم ولغتهم تُظهرهم ، يتلبَّسون هذه اللغة كمثل ثياب الحُملان ؛ بينما تعليمهم ينقل التخم القديم ، الأرثوذكسي تعليمه يحياه ويحفظه بعبادته واعترافه وصومه وتسبيحه . حسب كتابات الاباء ومنهج الكنيسة ( الكتابي - اللاهوتي - السرائري - الابائي - الليتورجي - النسكي - والتاريخي ) . تعليم " أمانة اعتراف الآباء " ، ذات الوقار وحجة إجماع عموم الكنيسة وتوثيقها المجمعي والقانوني . فهي وحدها حارسة وحافظة التقليد بوحدتها ، وتمييزها للأمور المتخالفة، دونما مماحكات وفلسفات ؛ لأن مانعتقده هو ما نؤمن به ، وهو ما نحياه في الليتورجيا والتاريخ الممتد .

كنيستنا جماعة سرائرية مؤسَّسة ومجتمعة على الأسرار ، وهي تجتمع حول سر الإفخارستيا، وتستمع إلى تفسير الكتاب المقدس ، مشروحاً بالآباء مُعاشاً في القديسين ومختبَرًا في الليتورجيا ، خلال الكنيسة أم الأولاد الفرحة التي لا خلاص لأحدٍ خارجها، حيث موهبة الحق وعقيدة التسلسل الرسولى ( الهيرارخية المرقسية ) ، ورئاسة الأسقف كصورة للرب وكمعبر عن مشيئة الله.

الأسقف لا بُد أن يعلن تعليم الكنيسة الجامعة حسب عموم الآباء واتفاق الكنيسة كلها، لأن كل تعليم وفكر لا بُد أن يتماشَى مع التعليم الواحد المشترك في كل موضع، فالإجماع على الحق هو علامة السلامة في الإيمان . ( من غير ابتداع أو اجتزاء أو انتقاء ) حتى لا ننقل التخم القديم الذي وضعه الآباء المعلمون الذين نقتفي آثارهم .

مهمة الأسقف هي السهر على حفظ التعليم نقياً، وأن يُحذر من المعلمين الكذبة (2كو:3:11) في مواجهة الشطحات وكل ما لا يتفق مع روح ومنهج إيمان كنيستنا الذي تسلمناه فى صورته الصادقة والرصينة المستقرة عبر الزمان .

إن الكنيسة وسلامها الداخلى يستلزم الحفاظ على الإيمان وتنقيته من الأفكار الغريبة التي تُحدِث الفوضى في الكنيسة، لذلك يقول القديس كليمنضس الروماني "يا من كنتم سبباً في الفوضى ؛ اخضعوا لآباءكم، أصلحوا أنفسكم بالتوبة، إحنوا رُكَب قلبكم، تعلموا الطاعة، اطرحوا عنكم الاِدعاء ووقاحة اللسان، أفضل أن تكونوا صغاراً في قطيع المسيح لا مشهورين خارج الرجاء المسيحي .

حقيقة أن التعاظم والفضولية والاستعراض والنجومية والروح الصبيانية ، هي الأسباب الحقيقية لكل فوضى وانقسام". حيث بابل ، أما كنيسة الله الرسولية التي وُلدت في العنصرة هي كنيسة واحدة ، ثابتة قوية قويمة لا عيبَ فيها ، ومسبحنا أبو كل الأرواح ساهر فيها على كلمته ليُجريها ، لأنه المعلم الأوحد المدخَّر فيه كل كنوز الحكمة والعلم يعلمنا؛ وقد أرسل رسله الأطهار ليكرزوا بكل مجاهرة ، وأقام الآباء والمعلمين ليحفظوا ويعلموا ما تسلموه باتباع لا بابتداع ، والرب الإله الضابط الكل يعمل معهم ، ويثبت الكلام بالآيات التابعة ... كلام العِشرة الإلهية ، كلام الإلهيات المعزي والمشبع بغنىً الخيرات الأبدية لا كلام التنافس والتعاظم والغرائب والتراشق والملاسنات ، مجاوبين لا (محاربين ) عن سبب الرجاء الذي فينا ، ماحين الذنب بالتعليم لا بالتشهير لكل من يقبل ، أما من لا يقبل فقد قَطَعَ نفسه بنفسه ، من فم الكنيسة المجتمعة . ولتكن عندنا سيرة وحياة وتقوى أثناسيوس وكيرلس السكندريين هما منهجا ودَرْباً وطريقةَ حياةٍ ، لأن الكنيسة القبطية لم تبدأ بنا نحن الذين انتهت إلينا الخدمة في أواخر الدهور.

تم التطوير بواسطة شركة ايجى مى دوت كوم
تصميم مواقع مصر - ايجى مى دوت كوم